فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 33

وأمَّا عملُها في بيتها فهُو لَهَا أجرٌ وصدقةٌ وتكفيرٌ عن الذُّنوب والموبقَات ورفع للدَّرجات، فقد كانت سيِّدة نساء العالمين فاطمة بنت محمَّد أكثر النساء عملًا في بيتها وخدمة لزوجها وبنيها، فعن عَلِيِّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا فَأَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم سَبْيٌ فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا فَلَمَّا جَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ فَجَاءَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم إِلَيْنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ (1) : «عَلَى مَكَانِكُمَا فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» .

وهكذا أَبَى المصطفَى صلى الله عليه وسلم على فاطمةَ التي لَمْ يكنْ يُحِبُّ أحَدًا مثلها، والتِي هي بضعةٌ منهُ يريبه ما رابَهَا ويغضبه ما أغضَبَهَا، أبَى عليها الخادم ووزَّع أولئك الخَدَمَ الذين جاؤوهُ على نساءِ المهاجرين والأنصار، حرصًا منه على أنْ تزدادَ ابنته منَ الأجرِ كلَّما عملت في خدمة زوجها وبنيها.

وقد كانتْ أسمَاءُ بنتُ أبِي بكرٍ رضي الله عنهما تعملُ في خدمة بيتها وزوجها الزُّبير بن العوَّام حتَّى طلبت من أبيها الصِّديق خادمًا فلما أعطاها ما يكفيها سيَاسةَ فَرَسِ الزُّبير أحسَّتْ وكأنَُُه أعتقَهَا.

قَالَتْ رَضِىَّ الله عَنْهَا (2) : تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ وَمَا لَهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلَا مَمْلُوكٍ وَلَا شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي الْمَاءَ وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْمًا وَالنَّوَى عَلَى رَأْسِي فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَدَعَانِي ثُمَّ قَالَ: إِخْ إِخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسِيرَ مَعَ الرِّجَالِ وَذَكَرْتُ الزُّبَيْرَ وَغَيْرَتَهُ وَكَانَ أَغْيَرَ النَّاسِ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزُّبَيْرَ فَقُلْتُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى رَأْسِي النَّوَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَاخَ لِأَرْكَبَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وَعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَحَمْلُكِ النَّوَى كَانَ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ رُكُوبِكِ مَعَهُ قَالَتْ حَتَّى أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَادِمٍ تَكْفِينِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَنِي.

ولَمْ يكنْ ذلك العملُ المجهِدُ الذي تقوم به الزَّوجة قاصرًا على فاطمة بنت محمَّد صلى الله عليه وسلم ولا على أسماء بنت أبِي بكر، وإنَّما كانتْ نساءُ النَّبِيِّ وبناته ونساء المهاجرين والأنصار وأكثر المسلمين يعملنَ ذلك العمل الشَّاق، وإنْ تفاوتَتْ الدَّرجة والشِّدَّة، فلم تكُنْ المرأة عاطلة خاملة، وأنَّى لَهَا أن تكونَ وهي ربَّةُ البيت وسيِّدةُ الأُسرة وأمامها أعمالٌ جليلةٌ من حَمْلٍ وولادة وإرضَاعٍ وتغذية للزوج وللأطفال، وعناية بالأولاد وخدمة في المنزل، وإسهام في تحمُّل بعض تبعات الزَّوج من سقي الماء وحمل القرب على الأعناق، وإدارة الرَّحَى على الأيدي وسياسة الفرس وعلفه، وحمل النَّوى من أرض الزَّوج.

إنَّهُ ليس عَمَلًا واحدًا ولكنَّها أعمالٌ تنوءُ بحملها الجبال، وقد حملنها صابراتٌ شاكراتٌ حتَّى إذا منّ الله على المسلمين بالفتوحات خفف أهلُوهُنَّ وأزواجهن عنْهُنَّ بعض ما يجدن والحقن بِهِنَّ خادمات يساعدنَّهُنَّ على تلك الأعمال.

أما القمَّة التي لا يصل إليها إلا مُحمَّد وبنُوهُ فقد بقيت سامقة عالية الذّرى تكابدُ مشاقَّ الأعمال وتجاهد بالليل وبالنَّهار حتَّى مع وفرة الخدم وكثرة المال؛ لأنَّ مقام النُّبوَّة لا يصل إليه أحد ولا يطاوله إنسانٌ.

ويكفي المرأة بعد ذلك أن يعتبر حملها وولادتها رباطًا في سبيل الله.

(1) صحيح): رواه البخارى في كتاب المناقب 3705، مسلم في الذكر 2727، أبو داود في الخراج 2988، الترمذى في الدعوات 3408، أحمد 605.

(2) صحيح): رواه البخارى في كتاب النكاح 5224، مسلم في السلام 2182، أحمد 26397.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت