ثم ليضعها بعد ذلك في مكان عزيز وسط أسرتِهَا، فهي أُمٌّ موضع التَّكريم، بل تسبق الأب في هذا التَّكريم؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (1) : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ: أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ» .
والجنَّةُ تحت أقدام الأُمَّهات، فعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السَّلَمِيِّ (2) : أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا» ...
وهي زوجة كذلك موضع التَّكريم، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (3) : قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي» .
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ (4) : «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» .
ولقد وصفها القرآن الكريم بأنَّها جزءٌ من النفس فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم 21] .
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء 1] .
وقال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف 159] .
وهي في الوقت ذاته"مسكنٌ"وعلاقتها مع زوجها هي علاقة"المودَّة"و"الرَّحمة"، فأيُّ تكريمٍ بعد هذا التَّكريم؟ وأيُّ مستوى للعلاقات الزَّوجيَّة أكرم من هذا المستوى؟
وهي بعد ذلك مُكّرَّمَةٌ، أختًا وبنتًا ورحمًا، فوصلها وصلٌ للرَّحمن، وإحسان تربيتها وإكرامها وقاءٌ من النَّار وطريق إلى الجنَّة، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ (5) : قال صلى الله عليه وسلم «ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ» .
وعنها رضي الله عنها قَالَتْ (6) : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» .
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ (7) : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا » .
وهي مساويةٌ للرَّجُل في الحقوق والواجبات، ولَهَا كامل الحريَّة في التَّصرُّف في مالِهَا، يقول العقاد (8) :"ومعاملة الحقوق دستورها الجامع أنَّ الرَّجل والمرأة سواء في كُلِّ شيء، وأنَّ النِّساء لَهُنَّ ما للرِّجال وعليهنَّ ما عليهم بالمعروف ثُمَّ يمتاز الرِّجال بدرجة هي درجة القوامة التي ثبتت بتكوين الفطرة وتجارب التَّاريخ وليس في هذا الامتياز خروج على شرعيَّة المساواة حين تقضي المساواة بين الحقوق والواجبات، وكل زيادة في الحق تقابله زيادة مثلها في الواجب فهي المساواة العادلة في اللباب."
ومعاملة النَّسب دستورها في القرآن الكريم إجلال الأُمَّهات وصيانة البنات عن الجناية على حياتِهِنَّ والكراهية لمولدهن وتربيَّتهن، وإحلال الزَّوجات محلَّ الأزواج في السَّكن والمأوى فلا يعزلن بمكان دون مكانِهِم ولا يسومهن الرجل أن يقمن حيث يَأْبَى أنْ يقيم مع ذَوِيهِ من الرجال.
(1) صحيح): رواه البخارى في كتاب الأدب 5971، مسلم في البر والصلة 2548، ابن ماجة في الفرائض 2738، أحمد 8144.
(2) حسن): رواه النسائى في كتاب الجهاد 3104، ابن ماجة في الجهاد 2781، صحيح الجامع 1249.
(3) صحيح): رواه أبو داود في كتاب الأدب 4899، الترمذى في المناقب 3895، الدارمى في النكاح 2260، صحيح الجامع 3314.
(4) ضعيف): رواه ابن ماجة في كتاب النكاح 1857، ضعيف الجامع 4999.
(5) صحيح): رواه البخارى في كتاب الزكاة 1418، مسلم في البر والصلة 2629، الترمذى في البر والصلة 1915، أحمد 23535.
(6) صحيح): رواه البخارى في كتاب الأدب 5989، مسلم في البر والصلة 2555، أحمد 23815.
(7) صحيح): رواه البخارى في كتاب أحاديث الأنبياء 3331، مسلم في الإيمان 47، الترمذى في الطلاق واللعان 1188، أحمد 7571.
(8) المرأة في القرآن.