وقد رُدّ هذا الوجه مِن المناقشة بوجْهيْن:
الأول: أنّا لا نسلِّم عدم اعتبار الترجيح في البينات؛ بل هناك مِن العلماء مَن قدَّم شهادة الأربعة على شهادة الاثنين.
الثاني: سلَّمنا عدم اعتبار الترجيح في البينات إرجاعًا إلى ما كان متبَعًا في ذلك مِن إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، وقد أُلِف منهم اعتبار ذلك في باب تعارض الأدلة دون باب البينات (1) .
الدليل الثاني: أنّ العرف جرى على العمل بالراجح وترك المرجوح، ولِذَا يُعَدّ التارك لِلراجح والآخذ بالمرجوح سفيهًا، والعرف في الشرع معتبَر بمقتضى قوله - صلى الله عليه وسلم - {مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ ... حَسَن} (2) ، ولذا كان العمل بالراجح واجبًا، وهو المدعى.
الدليل الثالث: أنّ العمل بالدليليْن المتعارضيْن ممتنع؛ لأنّه جمْع بَيْن المتناقضيْن، وترْكهما معًا ممتنع؛ لأنّه مدعاة لِلتحلل مِن أحكام الشرع، فلم يَبْقَ إلا العمل بواحد منهما، فإنْ عمل بالمرجوح وترك الراجح كان تقديمًا لِلضعيف على الأقوى دلالةً، وهو غَيْر جائز، فتَعيَّن العمل بالراجح وترْك المرجوح (3) .
الدليل الرابع: أنّ الأولين ومَن تَبِعهم أطبقوا على ترجيح دليل على آخَر، وكانوا - رضي الله عنهم - إذا جلسوا يشتورون (مِن المشاورة) تعلَّق معظم كلامهم في
(1) يُرَاجَع: الإحكام لِلآمدي 4/ 246، 247 والمستصفى /376 والفائق 4/ 390 وبيان المختصر 3/ 372، 373 وشرح المنهاج 2/ 788 والإبهاج 3/ 209 وأدلة التشريع المتعارضة /67 68 والتعارض والترجيح عند الأصوليين /291، 292 والتعارض والترجيح بَيْن الأدلة ... الشرعية 2/ 148، 149
(2) أَخْرَجَه الإمام أحمد في مسند المكثرين مِن الصحابة برقم (3418) والحاكم في المستدرك 3/ 83 والطبراني في الأوسط 4/ 58 عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -.
(3) يُرَاجَع: الفائق 4/ 391 والمَراجع الثلاثة الأخيرة المتقدمة وإرشاد الفحول /274