وهو ما عليه الأكثر، واختاره أبو الحسين البصري وابن السمعاني وابن الحاجب والبيضاوي والآمدي وابن السبكي والزركشي والفتوحي والشوكاني رحمهم الله تعالى (1) .
واستدلّوا لِذلك بأدلة، أذكر منها ما يلي:
الدليل الأول: قوله تعالى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} (2) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ الله تعالى رحيم بعباده، ولذا فإنّه يريد بهم اليسر ولا يريد العسر والمشقة بهم، وترجيح الخبر المثبت لِلحدّ فيه مشقة، الأمر الذي يتعارض مع هذه القاعدة القرآنية، ولذا وجب ترجيح الخبر النافي لِلحدّ؛ لأنّه يحقق اليسر الذي هو منهج الإسلام (3) .
(1) يُرَاجَع: المعتمد 2/ 185 وقواطع الأدلة 3/ 43 ومختصر المنتهى مع شرح العضد 2/ 315 وبيان المختصر 3/ 392 والمنهاج مع شرحه 2/ 806 - 808 والإحكام لِلآمدي 4/ 272 وجمع الجوامع مع حاشية البناني 2/ 369 والإبهاج 3/ 236 ونهاية السول 3/ 179 ومناهج العقول 3/ 178 والبحر المحيط 6/ 174 وشرح الكوكب المنير 4/ 689 وإرشاد الفحول /279
(2) سورة البقرة مِن الآية 185
(3) يُرَاجَع: شرح المحلي على جمع الجوامع 2/ 369 وتيسير التحرير 3/ 161 والتقرير والتحبير 3/ 42 والتعارض والترجيح بَيْن الأدلة الشرعية 2/ 220
الدليل الثاني: قوله - صلى الله عليه وسلم - {ادْرَأُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَات} (1) ، وفي رواية ... {ادْرَأُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُم} (2) ..
وَجْه الدّلالة: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بدرء الحدود وتركها إذا كانت هناك شبهة، والخبر النافي لِلحدّ حالة تعارُضه مع الخبر المثبت لا شكّ يورث شبهةً، وطريق إسقاط الحدّ بسبب هذه الشبهة لا يتحقق إلا بترجيح الخبر النافي له على الخبر المثبت (3) .
مناقشة هذا الدليل:
وقد نوقش هذا الدليل: بأنّ خبر الواحد العدل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس بشبهة؛ بدليل أنّه ينتقل به عن حُكْم الأصل، والذمم لا تُشغَل بالشبهات (4) .