الوجه الأول: أنّ هذا الحُكْم غير مسلَّم عند جميع الصحابة - رضي الله عنهم - حتى يكون إجماعًا؛ فقد رأينا ابن مسعود - رضي الله عنه - يرى أنّ المال كُلّه لابن العمّ الذي هو أخ لأُمّ لِترجُّحه على التعصب بالأخوة، وهذا شبيه لِلترجيح بكثرة الأدلة.
الوجه الثاني: سلَّمْنَا - جدلًا - أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - جميعهم لم يرجِّحوا ابن عمّ هو أخ لأُمّ على ابن عمّ فقط، لكنّ عدم ترجيحهم في هذه الحالة مرجعه تعدُّد أسباب الميراث: هل يرجَّح بها أم لا؟ وليس تعدُّد الأدلة الذي هو محلّ نزاعنا.
الوجه الثالث: أنّه قد ثبت أنّ الصحابة - رضي الله عنهم - رجَّحوا بعض الأخبار على بعض بكثرة الرواة ونَحْوها، وهذا يكفي دليلًا على ترجيحهم بكثرة الأدلة.
رابعًا - تعقيب وترجيح:
بَعْد الوقوف على مذاهب الأصوليين وأدلّتهم في جواز الترجيح بكثرة الأدلة يمكن التوصل إلى ما يلي:
1 -أنّ أدلة المذهب الأول قد سلمت جميعها مِن المناقشة والاعتراض، وأدلة المذهب الثاني لم تسلم مِن المناقشة والاعتراض، الأمر الذي يؤهل المذهب الأول لِلترجيح.
2 -أنّ المذهب الأول - القائل بجواز الترجيح بكثرة الأدلة - أَوْلَى بالقبول
(1) يُرَاجَع: التوضيح مع التنقيح مع التلويح 2/ 242، 243 والمغني /329 وكشف الأسرار مع أصول البزدوي 4/ 140، 141 وتيسير التحرير 3/ 169 ومسلّم الثبوت مع فواتح الرحموت 2/ 210 وأدلة التشريع المتعارضة /87 والتعارض والترجيح بَيْن الأدلة الشرعية 2/ 138
والترجيح عندي؛ لِمَا تَقَدَّم، ولأنّ تقوية أحد الدليليْن المتعارضيْن بدليل آخَر عمل بظنّيْن في مقابل ظنّ واحد.
3 -أنّ الترجيح قد وقع بكثرة الرواة، فكذلك بكثرة الأدلة ..
وفي ذلك يقول تاج الدين الأرموي رحمه الله تعالى:"قال الشافعي: يجوز الترجيح بكثرة الدليل كترجيح الخبر بكثرة الرواة" (1) ا. هـ.