فلا معنى للاحتجاج بموجبها على التفضيل، اذ ليست أميته معجزة له_ صلّى اللّه عليه وسلّم_ وإنما المعجز، ما أتى به من القرآن الذي فارق نظمه سائر نظوم كلام العرب، مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يصحب أحدا ممن يقرأ ويكتب، ولا يداخل أحدا من أهل السّير والمعرفة لكتب المتقدمين. وهو قد نشأ بين قريش وعرفوه [1] بذلك، أعني غير كاتب ولا قارئ ولا مداخل لمن تقدم ذكره ولا آخذ عن أحد منهم، فكان ذلك معجزًا. ولو تحدى بالأمية، لقابله عشرة آلاف [2] أو يزيدون، وقالوا له: كل واحد منا أمي، وهو نبي، وأميته دليل على كذبك، فثبت أن أميته ليست بمعجزة، وإنما المعجز ما ذكرناه. ولو سلم ذلك جدلا [3] ، لم تبال معجزته ولا أميته بظهور كتبه منه في ذلك الوقت على طريق الاعجاز. /ص 118/ بدليل قوله تعالى: (يس_69) ثم وجد من ألفاظه_ صلّى اللّه عليه وسلّم_ المتزن [4] من الكلام: ("هل أنت إلا أصبع [5] دميت*وفي سبيل اللّه ما لقيت") فكما هذا لا يسمى القائل له شاعرًا، فكذلك لا يخرج النبي_ صلّى اللّه عليه وسلّم_ عن كونه أميا بوجود كتابة منه في القضية المذكورة. عاد الكلام إلى الآية والأحاديث الأول: فإذا كان من تولى الرد على الفقيه القاضي الجليل لم يشهدوا هذه المعاني، ولا تتبعوها بفحص ونظر، كانوا ممن شهد بما لم يعلم.
(1) - (( أنظر ص: 64 مما سلف) .
(2) - (( أنظر ص: 22، 138 من هذا الكتاب) .
(3) - جدلا: الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.
(4) - (قارن بما تقدم ص: 89 وما بعدها، و_ 126 مما سيأتي) .
(5) - سقطت في الأصل والزيادة من: الجامع الصحيح للبخاري: 4/ 22، 8/ 43، صحيح مسلم: 5/ 135، سنن الترمذي: 12/ 246.