وأن الاستدلال بقوله:"فأرنيه"لا يصح لكون الكلمة المراد محوها كانت هي آخر ما كتب، فيعمد إليها وبمحوها ويستغني عن قوله:"أرني مكانها"ثم عاد الاستدلال على عدم كتابته بآية العنكبوت، وجعلها في هذا الباب استمرارًا لنفي الكتابة عنه -صلى الله عليه وسلم- لما قبل البعثة وبعدها، مع أنه سبق أن استدل بالنفي بها لما قبل البعثة فحسب. وهو تناقض ظاهر ولا يصح القول بما ليس فيه حجة. ولا يحتج بما ليس فيه دليل. وإن ما أورده هنا: شبيه عندي بعملية حسابية، إذا أخطأ الحيسوب في أولها، كانت النتيجة أشد خطأ، والاستمرار في التحليل عبثًا.
... وخلاصة القول: أن هؤلاء الفقهاء، حاولوا أن يصلوا إلى نتيجة تتلائم مع الشريعة الإسلامية، ولا نشك في حسن نواياهم. وكلهم أدلى بما يراه صوابًا، وقد اتفقوا في توجيه خطاباتهم -عدا السهمي- إلى شخص واحد دون ذكر إسمه، وهو إقبال الدولة حسب ما نبهنا عليه من قبل. كما أن نقطة الخلاف والوفاق تبتدئ من حديث المقاضاة التي ورد فيه:"فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب". مستدلين بنصوص موحدة من الكتاب والسنة، مع بعض الزيادة والنقص والتفاوت فيما بينهما في تعزيز أحد الرأيين، والتشابه في الأفكار وطرق الاستنتاج والاستنباط طابع اتسمت به أغلب هذه الرسائل. وجل من تحدث عن القضية، أخبر بأن الباجي كان يعرض أقوال الناس بمسجد دانية، ثك كفره الخصم بذلك، ولا داعي لهذا التكفير.
... /ص 92/ ومما لا جدال فيه أن الباجي عندما استنكروا عليه إثبات الكتابة، كان يعرض أقوال النافين والمثبتين لها جميعًا، لورود التصريح بذلك في مختلف الأجوبة، وفي كتاب"تحقيق المذهب"من البداية إلى النهاية.