فكما ورد في حديث إانا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) فقال هنا (بعثت إلى أمة أميين) وذكر من الأميين أصنافًا، وجعل من بينهم الذي لم يقرأ كتابًا قط. فلو كان صدر الحديث السابق يشرح بعضه بعضًا، لما كان الذي لا يقرأ، بعضًا من الأميين. ولا ينبغي الاحتجاج بأحدهما دون الآخر.
/ص 116/ ولقد آن الأوان ليتنبه الناس، وليعلموا أن هذا الحديث لا يتضمن أمية الرسول -صلى الله عليه وسلم- دون أمية أمته، كما أن بعضه ليس شرحًا للأمية مثلما يتبادر إلى الذهن، فالوقوف عند قوله -صلى الله عليه وسلم-: (انا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) شبيه عندي بالوقوف عند قوله تعالى: ("فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ") [الماعون: 4] . وزيادة. فإذا كان الوقوف عند جزء من هذه الآية موهم بأنه ينبني عليه ترك ركن من أركان الدين الإسلامي خوفًا من الوقوع في الويل،- وقد صار هذا مضرب الأمثال لكل من لا يتمم الكلام بما هو مقصود منه، كمن قال: لا إله ولم يتم تشهده، فهو كفر صرف لا مراء فيه، فكذلك الوقوف عند جزء من هذا الحديث، ينبني عليه إنتفاء الإنتساب إلى الأمة الأمية المحمدية بالنسبة لكل من كتب بيده، بما فيهم الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة -رضوان الله عليهم-. ولكن هذا الحديث يتناول بصفة خاصة: الإجابة عما سئل عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجود قاعدة عامة ومباشرة لمعرفة بداية ونهاية الشهور القمرية لأداء فريضتي الصوم والحج وغيرهما، فكانت الإجابة تتضمن ما سئل عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما سئل عن الأهلة في قوله تعالى: ("يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ") [البقرة: 189] . ف (انا أمة أمية) : أي عربية وليست بعجمية.
وقد كفانا أبو الوليد بسط القول في تحليل الكتابة والحساب تحليلًا ضافيًا بما يلائم ذلك [1] .
(1) - انظر ص: 73 وما بعدها مما سيأتي.