وحسبنا ما رواه ابن سعد (230/ 845) قال:"أخبرنا هشيم بن بشير، قال: أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: كان فداء أسارى بدر أربعة آلاف إلى ما دون ذلك، فمن لم يكن عنده شيء أمر أن يعلم غلمان الأنصار الكتاب". [1]
وقال أيضًا:"أسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر سبعين أسيرًا، وكان يفادي بهم على قدر أموالهمن وكان أهل مكة يكتبون وأهل المدينة لا يكتبونن فمن لم يكن له فداء دفع إليه عشرة غلمان المدينة فعلمهم، فإذا حذقوا فهو فداؤه" [2] . فتعليم غلمان الأنصار في النص وتحديدهم بعشرة، برهان ساطع على أن الكتابة كانت شائعة آنذاك، فلم يرد في النص غير الغلمان، وأن طبقة الأغنياء التي كان لها مالن تفدي به نفسها، ومن له رابطة دموية أو شبهها، وأن أفقرهم، هو الذي كان يعلم الكتابة للأطفال، فهل يتعاطى أفقر الناس الكتابة، ولا يعرفها أغناهم وهو أحرى بذلك من غيره؟ فبقليل من التأمل يستطيع كل واحد منا أن يجيب على هذا السؤال بكل بساطة قائلًا: اللهم لا.
ومن الآيات التي حاول الدكتور إبراهيم أنيس أن يستدل بها على ندرة الكتابة في ذلك العصر قوله تعالى: ("يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ") [البقرة: 282] . /ص 118/ وقد قال تعقيبًا على هذه الآية ما نصه:"فهي توضح لنا أن الكاتبين في بيئة الحجاز كانوا من الندرة بحيث طلب من الناس إذا تداينوا بدين أن يلتمسوا لهم كاتبًا يسجله ويوثقه" [3] .
(1) - الطبقات الكبرى: 3/ 61.
(2) - نفس المرجع والصفحة، دلالة الألفاظ ص: 190، عيون الأثر: 1/ 286، 287.
(3) - دلالة الألفاظ ص: 189.