ألم يفطن الأستاذ الكبير إلى أن القرآن لم يكن خاصًا بأهل الحجاز وغير موقت بعصر المبعث بالذات؟، ألم يتعامل في بيع العقار وشرائه وعقد النكاح، بإستدعاء الكاتب العدل، مع كونه كاتبًا ومؤلفًا؟ وهل ترتيب العدول والموثقين في كل بلد من بلدان الدنيا في عصرنا دلالة على أن غيرهم لا يقرأ ولا يكتب؟ ولست أدري كيف مر هذا عليه مع إجلالي وإحترامي له!
وبإدعاء هؤلاء وأولئك للإصلاح، أساؤوا إلى الأمة العربية بأنها كانت لا تكتب ولا تقرأ، وهل القرآن الذي نعجز في عصرنا الحاضر -بما فيه من علماء وحملة الأقلام المختصين في شتى أنواع العلوم وفنونها- إلى الوصول لفهم الكثير مما ورد به أسلوبه من الإعجاز، نتصور أن هذا الكتاب نزل على قوم جهلة، لا يكتبون ولا يقرؤون، وهم قمة في الإدراك والفهم ولأسرار هذا الكتاب، ولم يتمكنوا معارضته رغم تحديه لهم ككل، أو بعشر سور أو بسورةن سيما وأنه أكثر من ذكر أدوات [1] الكتابة بقوله: ("اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ") [العلق: 3 - 4] . وقال جل من قائل: ("ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ") [القلم: 1] ، وقال جل شأنه: ("وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ") [لقمان: 27] ، وقوله: ("أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ") [الإسراء: 93] .
فالأمر باقراء، وذكر القلم، والمداد، والسطور، والكتاب، في هذه الآيات، لا يخاطب بها من لا يعرفها.
(1) - تاريخ الشعر العربي للبهبيتي: 200.