ولم تحدث في صدر الإسلام عقدة تفسير"الأمي"، بعدم معرفة الكتابة والقراءة، ولست أدري متى حدث هذا وعلى يد من، وربما كانت هذه إحدى المساوئ التي إنتشرت على يد الشعوبيين من واضعي الأحاديث والأخبار التي لا تحصى كثرة، والتزيد في أشعار الجاهليين، ليتمكنوا من هجو هذه القبيلة أو تلك، على لسان شعرائهم لينالوا من سائر القبائل العربيةن وليتأتى لهم تفضيل الفرس على العرب. شعرائهم لينالوا من سائر القبائل العربية، وليتأتى لهم تفضيل الفرس على العرب. فلعلهم هم الذين تمسكوا بهذه القضية، ونشروها بين الناس، فلم يلتفت لذلك أحد.
/ص 119/ ولو تتبعنا بطون الكتب المصنفة منذ بداية التأليف، لوجدنا نصوصًا كثيرة لا تفرق بين لفظ العربي والأمي، ولا تفسر الأمية بالتفسير الذي يفسرها بالجهل بالكتابة والقراءة، وحتى في آخر القرن الخامس الهجري، نجد الراغب الأصفهاني ينقل عن الفراء (144 - 207/ 761 - 822) في الأميين قوله: (هم العرب الذين لم يكن لهم كتاب) [1] , وياليته اقتصر عليه، وقد ترجم أبو داود السجستاني (202 - 275/ 817 - 889) أحد أبواب سننه بقوله: (باب ما يجزي الأمي والأعجمي من القراءة .... عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي فقال: إقرأوا فكل حسن) [2] فهو لم ير فرقًا بين تعبيره بالأمي والأعجمي أولًا، وبالأعرابي، والعجمي ثانيًا، كما استعمل الإمام اللغوي ابن دريد (223 - 321/ 838 - 933) في مقدمة كتابه [3] كلمة"أميين"بمعنى العرب.
(1) - معجم مفردات ألفاظ القرآن ص: 19، الكشاف للزمخشري: 1/ 347 - و- 375، البحر المحيط: 2/ 413.
(2) - سنن أبي داود: 1/ 132.
(3) - الاشتقاق في اللغة: 3.