إلا بديل، لأن حملنا كتب على أمر من يكتب، صرف له عن حقيقته إلى المجاز. قالوا وهذا ما لم يتقدمه قوله: ("فأخذ الكتاب") ، فإذا تقدمه: ("فأخذ الكتاب") ، لم تستعمل حينئذ حقيقة ولا مجاز، إلا بمعنى تناول الكتاب، ولا يجوز أن يحمل على أنه أمر بالكتاب، لأنه إذا قال: كان عليّ يكتب فقال له: ("أمح رسول الله") فقال: لا أفعل، ("فأخذ رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ الكتاب فكتب اقتضى ذلك أخذه_ صلى الله عليه وسلم_ الكتاب من علي") . /ص54/ وإذا كان صريحا في أخذه الكتاب من علي، وجب أن يكون صريحا في تناوله الكتاب، ولو جاوزنا أن يحتمل في هذا الموضوع"فكتب"أمر من يكتب، لكان الأظهر فيه تناول الكتاب، وإذا احتمل اللفظ معنيين هو في أحدهما أظهر، وجب حمله على أظهرهما، ولا يجوز العدول عنه إلى الآخر، إلا بدليل [1] . ولو حملنا"فكتب"على أمر من يكتب بغير دليل، لوجب أن يحمل فأخذ الكتاب على أمر من يأخذه، وصلى على أمر من يصلي، ودخل مكة معتمرا على أمر من يدخلها. وهذا يؤدي إلى أنه لا يصح اضافة فعل إليه بوجه، ولا يثبت له في مدة حياته عمل، ولا غزو، ولا تصرف بوجه ولا سبب. وهذا مالا يستجيز ذو لب ارتكابه. وإذا لم يجز ذلك، وجب أن يحمل كل ما أضيف إليه من الأفعال على أنه_ صلى الله عليه وسلم_ يباشرها بنفسه، إلا أن يمنع من ذلك دليل. /ص55/ فإن قيل: انما أراد فأخذ الكتاب فمحا رسول الله، ثم أمر [2]
(1) - قارن بهذا ما في: الانصاف لابن السيد البطليوسي ص: 130_ (تحقيق_د_ محمد رضوان الدّاية الطبعة الأولى_ دمشق 1394هـ_ 1974م) .
(2) - وهذا الافتراض الذي افترضه المولف هنا لمناقشة خصومه، قد ورد فعلا من طريق علي نفسه..وحكاه المبرد (210-285هـ/825-898م) بألفاظ تختلف عن الأحاديث السابقة في الباب الثالث، إذا جاء فيها ما نصّه:"فقال لي: يا علي، أمح رسول الله"، فقلت: يا رسول الله"لا تسخو نفسي بمحو اسمك من النّبوّة"، فقال عليه السلام_:"فقفني عليه"فمحا بيده_ صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"أكتب مُحمد بن عبد الله". (الكامل للمبرد: 3/182_ مطبعة النهضة بمصر) . (السيرة الحلبية 3/23 وما بعدها) (تاريخ الطبري 2/634) ولو اطّلع خصوم الباجي على هذا الحديث لأضافوه إلى حديث ابن شهاب الذي تمسكوا به, (قارن بالصفحة: 115 مما سيأتي.