ذلك فالغنيُّ في هذا المجتمع غني شاكر، والفقير فيه فقير صابر، وكلاهما يحترم الآخر ويحبه، ولا يحتقره أو يحقد عليه، فلا مكان في هذا المجتمع لما يسمى بـ"حتمية الصراع الطبقي"التي يمكن أن توجد في مجتمعات لا تهتدي بهدي الإسلام، فتكتوي بنيران الأحقاد، والفوضى؛ فقد أذاب هدي الإسلام العظيم في المجتمع المسلم ما يمكن أن يكون موجودًا في النفوس من أثرة، أو حقد، وأحلّ محلها الرحمة، والعطف، والاحترام، ولقد تشكل المجتمع المسلم الأول في المدينة من أغنياء وفقراء، وكان عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من أغنياء ذلك المجتمع، وكانت تُناخ أمام بيته مئات الركائب [1] ، وقد جهَّز مرة جيشًا كاملًا من ماله في إحدى الغزوات، بينما كان علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوج ابنته يطوي الحجارة على بطنه، ويعطي الطعام حين يتوفر عنده إلى محاويج المسلمين، على حين حاجته هو وزوجته وحبهما لهذا الطعام، ولم يأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أموال الأغنياء شيئًا بالقوة ليوزعه على الفقراء، وإنما كان يحث على الصدقة والإحسان، وإذا حان أجل الزكاة المفروضة بعث عمَّاله لجبايتها من الأغنياء حقًا واجبًا عليهم أداؤه يقاتلون عليه إن منعوه، فلم يطغ عثمان بن عفان وغيره من الأغنياء من الصحابة - رضي الله عنهم - بأموالهم، ولم يحقد علي بن أبي طالب وغيره من فقراء الصحابة - رضي الله عنهم - بل كان جميعهم على بساط المودة والمحبة والإخاء، يقاتلون عدوهم صفًا واحدًا كأنهم
(1) الركاب: الإبل المركوبة، (ج) رُكُبٌ وركائب. المعجم الوسيط (1/ 368) .