يحقد على غيره ممن بسط الله تعالى له في الرزق، كما أنه لا يطغى حين يبسط له في رزقه، وإنما يبتغي في الحالين السبيل لتربية نفسه على طريق العبودية لله تعالى، وأداء الحق فيما أعطاه ويرى أن رحمة الله سبحانه خير من كل ما يجمعه الناس من حطام الدنيا الفاني، وأن ستر الله جل جلاله وإكرامه ليس في كثرة الرزق، وليست كثرته دليلًا على كرامة صاحبه عند الله تعالى، ومحبته له، كما أن قِلَّته ليستْ دليلًا على عدم فضل صاحبه وكرامته عند الله سبحانه، فالكرامة والستر وسواهما ليستْ في ذات الرزق الكثير، ولكنها بيد الله تعالى يعطيها من شاء من عباده، ولو كان لا يملك شيئًا من حطام هذه الدنيا الفاني، فكم ممن كُثِّر له في رزقه وبسط له فيه، مفضوح مهان، وكم من مقتر عليه في الرزق مستور مكرم، وعلى ذلك فليس الكمال فيمن بُسِطَ له في رزقه، وبالتالي فليس النقص فيمن قُدِرَ عليه فيه، وإنما هو أمر الله النافذ الذي لا مرد له مصداقًا لقوله تعالى: ? ? ? [1] أي قسمنا أرزاقهم فيما بينهم، ولقوله سبحانه: ? ? ? [2] أي في الرزق وسائر ميادين العيش، وذلك ? ? ? ? ? [3] أي ليستعمل بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويسخر الأغنياء بأموالهم الأُجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش، هذا بِمَالِهِ، وهذا بعمله، فيتم قوام العالم لا لكمالٍ في المُوسع ولا لنَقْصٍ في المُقْتر [4] .
يدرك المسلم اليقظ هذه المعاني وسواها في أمر بسط الرزق وقدْره فيفزع إلى الله تعالى في الحالين يرجو رحمته وستره متعلقًا بما عنده من الخير والفضل، غير معتمد على رزقه قلَّ أو كثر، بل اعتماده في أحواله كلها على الله تعالى الذي بيده الخلق والأمر؛ وينشأ عن بسط الرزق وقدْره وجود الغنَى والفقرِ، ووجود أغنياء وفقراء، ولا شك أن الغنىَ والفقرَ في الحياة دليلٌ على قدرة الله تعالى، ونفوذ مشيئته الغالبة القاهرة فيهم.
والمجتمع المسلم يتكامل فيه أغنياؤه وفقراؤه، تكاملًا يتلاقون فيه على بساط الحب والرحمة والاحترام، إيمانًا منهم بهدي الإسلام العظيم في تنظيم العلاقة بينهم، وهو هدي يستل من الأغنياء روح الغطرسة والكبر والظلم، والطغيان، كما يستلّ من نفوس الفقراء الحقد، والحسد، والانتقام، فيعيش الجميع في وئام وسلام، وذلك بفضل هدي الإسلام العظيم، وبما جاء فيه من أحكام وتشريعات توضح حقوق وواجبات كل منهم تجاه الآخر، فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيمة.
ويتميز المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات الإنسانية الأخرى: أنه مجتمع يعيش ويحيا وفق هدي الإسلام العظيم، لا وفق الأهواء والنزعات، وعلى
(1) سورة الزخرف: (32) .
(2) سورة الزخرف: (32) .
(3) سورة الزخرف: (32) .
(4) انظر: تنوير الأذهان من تفسير روح البيان لإسماعيل حقي، اختصار الصابوني (4/ 12) .