الماء، وبالسفن الجارية بِيُسْرٍ في البحر، وبالملائكة التي تَقْسِم أمر الله في كونه وخلقه بإذنه سبحانه وتعالى.
والرياح الذارية: أي التي تذرو الهواء وتنقله من مكان إلى آخر، وتذرو حبوب اللقاح فتنقلها من شجرة إلى أخرى، وتذرو الأوبئة والأمراض فتطردها بِذَرْوِها بعيدًا، وتذرو الحب وقِشْر الحبوب في أيام جَنْيِ الحصاد، فيتخلص الحب - من قمح وشعير - بذلك مما علق به، وذلك كله وغيره مما يحسه الناس - والعرب منهم على وجه الخصوص - من أثر طيب للرياح الذارية، وهي إلى جانب ذلك تذرو السحب وتحركها من مكان لآخر، وهي تسير سير الفُلْك في البحار، وإذا كانت هذه الرياح الذارية بهذا الوصف مما تنعكس فائدته على الناس، فإن العرب لا يخفى عليهم أمر الرياح - وهي تؤدي دورها بإذن ربها- في تدمير وإهلاك قوم عاد، وما قوم عاد منهم ببعيد، لقد سخرت الريح بإذن ربها على قوم عاد فكانت مهلكة مدمرة عاتية قاصفة عقيمًا، تنزع الرجل منهم من داخل بيته فترميه خارجه، فيقع مجندلًا [1] كأنه عَجُزُ نخلة خاوية، وكانت تدخل عليهم في بيوتهم فتدخل في أفواههم فتُخْرِج من مخارجهم أمعاءَهم. فمن الذي سخر الريح على قوم عاد بهذه الأوصاف، وسخرها لكم أيها العرب ذارية هادئة رقيقة نافعة نسيمًا جميلًا يداعب أبدانكم، وينتقل في رفق وانسياب في بيوتكم وبين أحيائكم وزروعكم فتسعدون به وتنتفعون؟ ولاشك أن العربي يدرك أهمية وقيمة الرياح الذارية، خاصة وهو في أيام حرثه حيث يتلمس أسباب رزقه ويباشرها كما يدرك تلك القيمة والأهمية في أيام حصاد هذا الزرع وجني حبوب الحصاد، وهاتان المناسبتان
(1) الجندل: الحجارة، أو صخرة مثل رأس الإنسان. لسان العرب: (11/ 128 - 129) .