الصفحة 146 من 164

الصيف التي لا تحمل ماءً، إذا رأوا سحب الماء استبشروا وتفاءلوا بنزول المطر الذي تروى به أراضيهم، وتنمو به زروعهم وأنعامهم، وتملأ آبارهم، والله تعالى أقسم بالسحب التي تحمل وقرها ماءً لعظيم فائدتها وعميم نفعها وجليل أثرها؛ وفي نزول المطر خير كثير، حيث تنشأ عنه أرزاق وفيرة وخيرات كثيرة، وكان الحسن البصري - رحمه الله - إذا رأى سحابة في السماء قال: فيه والله رزقكم، ولكنكم تحرمونه بخطاياكم [1] .

ومن أسباب الرزق تيسير حركة الفُلْك وسيرها، تسير في البحار تنقل الناس وأمتعتهم ودوابهم وتجارتهم من مكان إلى آخر، وينشأ عن ذلك تيسير انتقال أسباب الرزق للناس والحيوان، ولا يمكن للناس أن يستغنوا عن الحاجة إلى ما تنقله الفلك من التجارة والمنافع للإنسان والحيوان. وإنها لنعمة جميلة يبعث منظرها على الانشراح والسرور في النفس: نعمة سير الفُلْك بيسر في البحار تتهادى برفق ودلال فوق أمواج البحر الهادئة الحانية، وما أجمل زُرْقَة البحر وهي تعانق زُرْقَة السماء في رقة ولطافة، والناس في هذه الفُلْك بتجاراتهم وسُبُل أرزاقهم يستمتعون بهذه النعمة العظيمة، وإنها لنعمة لا يقدر على تيسيرها إلا الله تعالى، وذلك كله تذكير للناس والعرب منهم خاصة؛ ليعرفوا قيمة هذه النعمة، وعليهم في المقابل أن يتذكروا أحوال البحر عند اضطرابه وهيجانه حيث يصبح سير السفن عسيرًا شاقًا تحيط به الأهوال والمخاوف من كل مكان.

وإن ذلك دليل على قدرة الله تعالى، إذ لو كان فعل السفن في سيرها بيُسْرٍ من نفسها، لكان ذلك فعلًا واحدًا في كل حال، فمن الذي نوَّع سيرها، وسخَّر لها الرياح؟ إنه الله تعالى - على أن الآيات مكيةٌ والعرب لا يعرفون البحر - ولعل في ذلك إيماء إلى ما

(1) تفسير القرطبي (17/ 41) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت