الصفحة 150 من 164

المكذبين من الأمم السابقة من لدن قوم نوح إلى قوم موسى وما بينهما، وبعد ذكر الأرض وأهمية تبصر الآيات التي خلقها الله فيها، وذكر النفس وما خلق فيها من آيات وما أودع فيها من أسرار ليستقر في حس المؤمن أن قضية الخلق والرزق قضية دقيقة خطرة، فالذي خلق هو الذي رزق قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? [1] فالخلق يرزقهم خالقهم وهو الله تعالى، ولا يقدر على ذلك إلا هو سبحانه وتعالى، فهو سبحانه خالق الخلق، ومقدِّر الرزق؛ ولا شك أن حركة الأمم السابقة على الأرض كانت حركة متيسرة الأسباب في الرزق، فقد كانت تلك الأمم - وهي كافرة - تسعى نحو رزقها الذي كانت ميّسرةً أسبابُه بأمر الله تعالى فهو سبحانه الذي رزق ويرزق الكافر والمسلم، لأن الرزق من صفات الربوبية والله رب الخلق أجمعين.

والقرآن الكريم في هذه السورة يعرض صفحة من صفحات الماضي الذي كان عامرًا بهؤلاء البشر وغيرهم، ويبين أن الله تعالى قد تكفل بأرزاقهم جميعًا، فالله الذي خلق السماوات ورفعها بغير عمد وفرش الأرض وبث في كونه أسباب الرزق لخلقه لا يعجزه أمرهم فأرزاقهم مقدرة معلومة، قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [2] ، وأين يقع العرب - في العدد والكثرة - من تلك الشعوب التي رزقها الله تعالى على كثرة عددها؟.

والخلق لا يملكون رزقهم وذلك من رحمة الله تعالى بهم، وسبب رزقهم في السماء، ومع اختلاف الأقوال في المراد بالرزق الذي في السماء [3] : إلا أن الأمر - ومن خلال لفظة (السماء) - يدل على أن الخلق لا يصلون إلى رزقهم بقوّتهم فهم عاجزون عن الوصول إلى السماء وإنما مهمتهم الحركة والسعي وتلمس الأسباب في الأرض، وإضافة الرزق إلى ضمير المخاطَبين يدل على أن لكل واحد منهم رزقَه المعلومَ، فلا أحد يستطيع أخذ رزق أحد أو إنقاصه أو الزيادة فيه.

هذا وقد تناول ابن القيم - رحمه الله - مجيء لفظة (السماء) مفردة في الآية، وعلَّل ذلك بأن المقصود من لفظ (السماء) في الآية كل ما علا، فالمراد الوصف لا ذات السماء، (فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة، وكلاهما في هذه الجهة لا أنهما في كل واحدة من السماوات، فكان لفظ الإفراد أليق. والمخاطبون المحتج عليهم بهذه الآية إنما كانوا مقرين بنزول الرزق من قبل هذه السماء التي يشاهدونها بالحس، ولم يكونوا مقرين ولا عالمين بنزول الرزق من سماء إلى سماء حتى تنتهي إليهم، ولم يصل علمهم إلى هذا، فأفرد لفظ السماء هنا، فإنهم لا يمكنهم إنكار مجيء الرزق منها لا سيما والرزق ههنا إن كان هو المطر فمجيئه

(1) سورة الروم: (40) .

(2) سورة هود: (6) .

(3) سبق ذكر هذه الأقوال في (129) فانظرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت