فهرس الكتاب
من السماء التي هي السحاب فإنه يسمى سماءً لعلوه وقد أخبر سبحانه أن بسط السحاب في السماء بقوله ? ? ? ? ? ? ? [1] ، والسحاب إنما هو مبسوط في جهة العلو لا في نفس الفلك، وهذا معلوم بالحس فلا يلتفت إلى غيره، فلما انتظم هذا بذكر الاحتجاج عليهم لم يصلح فيه إلا إفراد السماء؛ لأنهم لا يقرون بما ينزل من فوق ذلك من الأرزاق العظيمة للقلوب والأرواح، ولابد من الوحي الذي به الحياة الحقيقية الأبدية وهو أولى باسم الرزق من المطر الذي به الحياة الفانية المنقضية فما ينزل من فوق ذلك من الوحي والرحمة والألطاف والموارد الربانية والتنزلات الإلهية، وما به قوام العالم العلوي والسفلي من أعظم أنواع الرزق ولكن القوم لم يكونوا مقرين به فخوطبوا بما هو أقرب الأشياء إليهم بحيث لا يمكنهم إنكاره [2] .
وجاء القَسَمُ من الله تعالى على هذا الأمر بقوله تعالى ? ? ? ? ? ? ? ? [3] قطعًا لدابر الشك في هذه القضية ولتكون واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار في حس وأعماق كل مؤمن، فلا تضطرب حركة سيره في الحياة وهو يسعى متلمسًا أسباب رزقه مثلما تضطرب حركة سير غيره ممن لم يوقن، ابتدأ القسم بواو القسم، وأقسم الله تعالى بصفة من صفاته العلية الكريمة وهي صفة الربوبية وأضاف هذه الصفة إلى السماء والأرض إضافة ملك واختصاص، إشارةً إلى أن أمر الرزق وتدبيره وتيسير أسبابه للخلق يتصل بصفة الربوبية التي من مقتضياتها الرحمة والعناية والرعاية للمخلوقين، فالأمر في أساسه لطف ورحمة من الله فهو الذي قدر الأرزاق لمخلوقاته كلهم، ويسر لهم أسبابها، وأضيف لفظ - الرب - إلى السماء والأرض دون سواهما من المخلوقات ليعلم الخلق أن الذي قدر على أمر السماء ومن فيها وعلى أمر الأرض ومن فيها- خلقًا وتسخيرًا وتسييرًا وتدبيرًا - لهو أقدرُ على أمركم ورزقكم، قال تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? [4] ، ومعلوم أن الله تعالى خلق الإنسان آخِرًا بنص قوله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? • ? ? ? ? ? ? [5] ، فالترتيب في الذكر جرى على مقتضى الترتيب في الوجود، وبنص قوله تعالى: ? ? ? ? ? ? ? ? ? [6] وجواب القسم ? ? ? ? ? ? ? [7] ، والحق هو الثابت الذي لا يقبل النسبة، والضمير في (إنه) يعود على الرزق، قال الطبري -رحمه الله-: يقول تعالى ذكره وجل اسمه مقسما لخلقه بنفسه: فورب السماء والأرض إن الذي قلت لكم أيها الناس: إن في السماء رزقكم وما توعدون لحق، كما حق أنكم تنطقون [8] .
ونقل الواحدي في تفسيره (الوسيط) عن الزجَّاج أن الضمير يعود على ما ذكر من أمر الرزق والآيات [9] .
(1) سورة الروم: (48) .
(2) بدائع الفوائد (1/ 117 - 118) .
(3) سورة الذاريات: (23)
(4) سورة غافر: (57) .
(5) سورة الحج: (18) .
(6) سورة السجدة: (7) .
(7) سورة الذاريات: (23) .
(8) تفسير الطبري: (21/ 523) .
(9) الوسيط للواحدي: (4/ 176) .