الصفحة 155 من 164

وقال - صلى الله عليه وسلم: «قاتل الله أقوامًا أقسم لهم ربهم ثم لم يصدِّقوا» [1] ، وشبَّه هذا الحق في ثبوته بمثل نطق المخاطبين، وهنا نلحظ في هذا الجواب أنه تقرر أن أمر الرزق حق ثابت لا مرية ولا شك فيه، ومثل لهذا الحق بوجود النطق في المخاطبين ولذلك دلالاته وأبعاده، وذلك أن النطق في الإنسان هو أيسر شيء وأسهله وأقربه من فم الإنسان، فكل إنسان له نطق - وإن كان أصم - باعتبار أن النطق صوتٌ، وما سوى النطق من الأكل أو النظر أو الحركة أو السمع أو المشي هي أمور يتكلف لها وليست أمرًا عامًا لا يتخلف في بني الإنسان، وذلك أن الإنسان إذا أراد أن يأكل تكلف الحركة ومدَّ يديه إلى المأكول وفتح فمه للأكل، وقَبْل ذلك نظر إليه إن كان مبصرًا، وفي كل الأحوال يتوجه إلى الأكل بالرغبة والميل، والحال كذلك في المشي إذ لابد من القيام والحركة حتى السمع لابد فيه من نوع تكلف وهو التوجه إلى مصدر الصوت والإنصات إليه وكذلك البصر.

قال القرطبي: (وقال بعض الحكماء: كما أن كل إنسان ينطق بنفسه ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كل إنسان يأكل رزقه ولا يمكنه أن يأكل رزق غيره) [2] .

وليس كل الناس يسمعون بل يوجد من بينهم طُرْشان، وكذلك فليس كلهم يبصر أو يمشي أو يتكلم فإنه يوجد فيهم من ليس كذلك ولكنهم كلهم

(1) أخرجه ابن جرير في جامع البيان (11/ 461 رقم 32191) وابن أبي حاتم في التفسير (10/ 3312 رقم 18659) عن الحسن مرسلًا. وانظر تفسير ابن كثير (4/ 235) .

(2) تفسير القرطبي: (17/ 42) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت