الصفحة 156 من 164

ينطقون. وهنا نلحظ دقة التعبير القرآني بالتمثيل بالنطق بدل التمثيل بالكلام، ويلاحظ أن اللفظة التي ذكرها القرآن وهي (النطق) مَكِيْنَةٌ في الدلالة عن المعنى المراد تأكيده وشيوعه وسهولته وقربه، ولسائل أن يسأل قائلًا: ما بال (الكلام) لماذا لم يقل القرآن مثل ما أنكم تتكلمون؟ أو ليس الكلام قدرًا مشتركًا بين سائر بني الإنسان؟ والجواب أن النطق أدق في الدلالة على المراد فهو أشمل وأعم، فكل إنسان ينطق وإن لم يتكلم كأَنْ يكون أبكمَ مثلًا، أما الكلام فليس بذات الخاصية؛ لأنَّ الكلام يتألف من حروف ملفوظة مركبة لإفادة معنىً، وذلك متعذر في الإنسان الأبكم؛ بينما النطق هو مجرد صوت يستطيعه الأبكم. ومن ثم ندرك أن هذا كلام معجزٌ؛ لأنّ الله تعالى الذي قال هذا الكلام يعلم أسرار مخلوقاته ومنها الإنسان ولا يخفى عليه شيء من أمرها قال ابن عطية: (ثمّ أقسم تعالى بنفسه على صحة هذا القول والخبر، وشبهه في اليقين به بالنطق من الإنسان، وهو عنده في غاية الوضوح، ولا يمكن أن يقع فيه من اللبس ما يقع في الرؤية والسمع بل النطق أشد تخلصًا من هذه) [1] فالنطق عملية سهلة لا يتكلف لها الإنسان فهو ينطق في المرض والعافية في النوم واليقظة في الظلام والضوء، فالنطق قريب سهل يتأتى في كل الأحوال والهيئات للإنسان.

وذلك كله دليلٌ على تيسير الله تعالى الرزق لبني الإنسان وأنه قريبٌ منهم وسهلٌ قُرْبَ وسُهُولة النطق فيهم، والنطق من خواص الإنسان ولوازمه فالرزق

(1) المحرر الوجيز (14/ 17) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت