لعله قد تبين فيما تقدم أنه لا تنافي في ميزان المؤمن بين الأخذ بالأسباب، وبين التوكل على الله تعالى، فما وجد مؤمن إلاَّ وهو آخذ بهذه الأسباب، أخْذَ اجتهاد وتفهُّم وتعقُّل، متوكل على الله تعالى خالق هذه الأسباب ومقدرها، ولو تأمل المرء لوجد أن حقيقة التوكل على الله تعالى القيام بالأسباب، والأخذ بها، ومباشرتها بهمة ونشاط، وتطويرها نحو الأفضل قدر الإمكان مع اليقين بأن الأمر كله بيد الله تعالى، خالق كل شيء، وأن الأسباب خلق من خلْقه، (فإن شاء منعها اقتضاءَها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءَها وتدفعه) [1] .
وإن ثمة فرقًا واسعًا، وبونًا شاسعًا بين إنسان يمضي نهاره كاملًا مع
(1) مدارج السالكين، لابن قيم الجوزية: (3/ 499) .
ومعنى هذا الكلام يتضح بالمثال الآتي:
ألقي أبونا إبراهيم عليه السلام في النار - ومن خاصيتها الإحراق-، وهذا يستلزم عرفا - أي بحسب ما تعارف الناس عليه - أنه يحترق، لكنه لم يحترق! لما ذا؟
-... لأن الله سبحانه عطّل في النار خاصية الإحراق. وهذا معنى قول ابن القيم"منعها اقتضاءها".
-... ولأن الله سبحانه عكس خاصيتها، فصارت تعطي البرد بدل الحرارة. وهذا معنى قول ابن القيم:"جعلها مقتضية لضد أحكامها".
-... كما أنه سبحانه قادر أن يبقيها على حالها، ويجعل في إبراهيم عليه السلام مانع الاحتراق، فلا تؤثر فيه مهما ارتادها. وهذا معنى قول ابن القيم:"أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه". والله أعلم.