الصفحة 41 من 99

ويؤيد الدكتور أحمد شلبي أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية هذا الرأى لأن الآية الكريمة حددت مصير أسرى الحرب بالمَنِّ أو الفداء - مقابل مال أو تبادل للأسرى أو تعليم المسلمين القراءة والكتابة - وعلى هذا كما يقول الدكتور شلبي:

ـ لا يبقى أسرى في أيدي المسلمين، لأن وسيلة الرق الوحيدة في الإسلام هي أسرى الحروب، و بذلك يكون الإسلام قد أغلق الباب في وجه الرق تمامًا.

ويقول فضيلة الشيخ فيصل مولوي نائب رئيس المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء:

(1ـ إن الإنسان مكرّم في الإسلام من حيث هو إنسان، تلك حقيقة لامراء فيها، قال تعالى:

(ولقد كرّمنا بني آدم .. ) الإسراء: 7

ومنحه الحرّية الكاملة في كلّ أعماله الاختيارية، وأهمّها: الإيمان أو الكفر. قال تعالى:

(وقل الحقّ من ربّكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .. ) الكهف: 26

وطلب منه أن يكون عبدًا لله وحده:

(واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا .. ) النساء: 36

لذلك فاستعباد الإنسان لأخيه الإنسان لا يمكن أن يكون مقبولًا في الإسلام الذي لا يرضى أن يكون الإنسان عبدًا إلاّ لخالقه عزّ وجلّ.

2 ـ ليس في كتاب الله تعالى نصّ يُبيح الاسترقاق بسبب الحرب. إنّما الآية الكريمة صريحة أنّه بعد انتهاء الحرب وأخذ أسرى المشركين، فالحكم الشرعي فيهم إطلاق سراحهم: إمّا مقابل فِدية، وإمّا منًّا بدون مقابل. قال تعالى:

(فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوَثاق فإمّا منّا بعدُ وإمّا فداءً حتّى تضع الحرب أوزارها) محمد: 4

3 ـ وقد أجاز العلماء بالإضافة إلى المنّ والفداء، قتل الأسير أو استرقاقه، وجعلوا الإمام مخيّرًا بين هذه الأحكام الأربعة حسب مصلحة المسلمين. أمّا القتل فسببه ليس مجرّد الأسر، وإنّما لوجود سبب آخر مع الأسر، فلقد قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا عزة الجمحي الشاعر يوم أحد، لأنّه كان قد أُسر يوم بدر، وأطلق رسول الله سراحه على أن لا يقول فيه شعرًا، لكنّه نقض العهد وعاد إلى هجاء الرسول والمسلمين. كما قتل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رجال بني قريظة لأنّهم نقضوا العهد، وكادوا يتسبّبون بقتل جميع المسلمين بانضمامهم إلى المشركين يوم الأحزاب.

4 ـ أمّا الاسترقاق فقد أجازه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأصحابه من قبيل المعاملة بالمثل، ولم يفعله هو أبدًا مع الرجال. فلم يسترقّ أحدًا من أسرى بدر بل أطلق سراحهم بفداء، وعاتبه الله على ذلك لأنّ الأفضل كان قتلهم، ولم يذكر إمكانية استرقاقهم. وفي غزوة بني قريظة قتل جميع الرجال ولم يسترقّهم، وإنّما استرقّ النساء والأطفال لأنّه لا يجوز قتلهم باعتبارهم غير مقاتلين. ويوم فتح مكّة أطلق الجميع بدون مقابل. وفي غزوة بني المصطلق أخذ المسلمون الأسرى والسبايا أرقّاء، بناءً على العرف المعمول به تلك الأيّام، فتزوّج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم جويرية بنت سيّد بني المصطلق، فتسابق الصحابة لإعتاق أسراهم وقالوا: أنسترقّ أصهار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت