3 -أن يَكون بعيدا عن قادته وكبراء قومِه، فيستطيع أن يتّخِذ قراره بِنفسه
أي أنه يَكون حُرًّا عند اتِّخَاذ قراراته بعيدا عن أية ضغوط. وفي عالمنا المعاصر شَهِدتُ حَالات وسَمِعْتُ عن أُخْرَيات - عن أُناس يَنْتَحِلُون مَذَاهِب بَاطِلة، ويُريدون الدخول في الإسلام، ولكنهم لا يَستطيعون لِسيطرة الأكابر عليهم ))
انتهى ما نقلناه عن الشيخ الفاضل عبد الرحمن السحيم، وفي هذا المقام أيضا، ننقل ما يلي من مقال رائع كتبه الداعية الإسلامي الكبير شيخنا محمد الغزالي رحمه الله عن موقف الإسلام من الدعوة إلى دين الله، والحرب في سبيله، وكيف وقف الإسلام موقفا أكثر رحمة من أسرى الحرب، خلافا لما سبقه من أديان:
(فال تعالى:(وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) الأنفال: 71
الخيانة التي تشير إليها الآية تشير إلى موقف المشركين من قضية الحريات الدينية والانسانية كلها، فقد
كان مَوقفًا غبيًّا مُتعنتًا مَليئًا بالكبرياء والقسوة، أكان هذا موقف عَبَدَةِ الأوثان وحدهم؟
كلَّا، فإن أهل الكتاب كانوا مثلهم، يقول الله تعالى:
(ولَئِنْ أَتَيْتَ الذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بكُلِّ آيةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) البقرة: 145
لِيَكُنْ، فليس لأحدٍ أن يُرغِمَهم على اتِّباع. لكنهم لم يَكتفوا بهذا، بل لجأوا إلى صَدِّ الأتباع وفِتنةِ الضعفاء وقيلَ لهم:
(قُل يا أهلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وأنتم شُهدَاءُ ومَا اللهُ بِغَافِلٍ عمَّا تَعْملُونَ) آل عمران: 99
ولو أن الكُرْهَ للإسلامِ كان عواطفَ فَرْدٍ أحمقَ أو سلوكَ نَفَرٍ مُتَعَصِّبِينَ لَهَانَ الخطْبُ، لقد تحوَّل إلى حرب ساخنة يَصْلاَها دِينٌ عَدَّهُ خُصومُه خارجًا على القانون ولم يَرَوا الاعترافَ به أبدًا.
ولْننظُرْ إلى صدرِ تاريخنا القديم ولْنَتساءلْ:
متى اعترفت الأديان الأخرى بحقِّ الحياة للإسلام وحقِّ أتباعه في إقامة مُجتمع له؟
لا مَجوسُ فارس، ولا يهودُ المستعمرات المُقاومة في جزيرة العرب، ولا الرومانُ الذين اعتنقوا النصرانية ليَجعلوا منها ذريعةَ استعمارٍ أسودَ أكَلَ الشامَ ومصرَ وغيرَهما طول خمسة قرون.
ومع ما أَحَسَّهُ سلفُنا مِن وحشيةٍ ونكير فقد خاضوا ضدَّ أعدائهم حربًا عادلة، وأمَروا بكَسْرِ شوكتهم ومَحْق كِبْرِهم، حتى إذا قلَّموا أظفارهم وأذلُّوا طُغيانهم قيل لهم: لكم أن تَمُنُّوا على الأسرى والمُنهزمين (فإذا لَقِيتُمُ الذينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حتَّى إذَا أثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بعدُ وإمَّا فِداءً حتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزَارَها) محمد:4
وقد يَفزع البعض لكلمة (ضَرْبَ الرِّقَابِ) بيد أن فزَعه هذا يذهب عندما يَعلم أن عربيًّا من أذناب الروم ومِن وُلاتهم شمال الجزيرة قبَض على المسلم الذي جاء برسالة من لدَى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو فيها إلى الإسلام وقال له: أنت حامِلُ رسالةِ محمد؟ قال: نعم. فأمر بضَرْبِ عُنِقِهِ!
كان حمْلُ كتابٍ رقيق العبارة مَقبولِ العرض جريمةً تُعالَج بالقتل السريع!
بِمَ يُعامَل هؤلاء الأذناب من سماسرة الاستعمار الرومانيّ المُتعصِّب!
إنها الحرب ولا شيءَ غيرها.