ثم قيل بعد ذلك للمُقاتلين المسلمين: (فإذا أثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وإمَّا فِدَاءً حتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَها) المَنُّ أو الفداء! ليس هناك تصريحٌ في الآية باسترقاق أحدٍ، لم يَعُدِ الأسرُ مَنْبَعًا دائمًا لأسواق الرقيق كما كان ذلك مَعهودًا في القرون الأولى.
وهنا نبحث: كيف يتمُّ تنفيذ هذا المبدأ؟
هل يُطلِق المسلمون سراح الأسرى دون قيدٍ أو شرط ليَعودوا إلى مُقاتلتهم مرة أخرى؟
هل يتمُّ هذا التحرير في الوقت الذي يُباع أبناؤهم فيه هنا وهناك؟
إن مُعاملة الأسرى ليست تشريعًا مَحَلِّيًّا يصدر مِن جانبٍ واحد، إنه تشريع تلتزم به أطراف مُتشابكةُ المصالح، مُتعاونةٌ على احترام قيَمٍ مُعينة.
هل يجد المسلمون هذه المعانيَ عند خُصومهم؟
كلَّا، فإن هؤلاء الخُصوم مِن عَبَدَةِ الأصنام أو مِن أتباع الكتب الأولى لا يُقِرُّون للمسلمين بحقِّ الوُجود، فكيف يَسمحون لهم بحقِّ البقاء وحرية التديُّن!
وعندما يُوجد تفهُّمٌ دوليٌّ على"المَنِّ أو الفداء"فنحن أولُ مَن يُهرَع إلى الإسهام فيه وإنفاذ عهوده، إن مبدأ المعاملة بالمِثْل له أثره العميق في العلاقات والمعاملات الدولية، وقد قلنا: إن الأمريكيين لو عَرفوا أن اليابان تَملِك رادعًا نوويًّا ما فجَّروا قنابلهم الذرية فوق"هُيروشيما وناجازاكي"!
وإلى أن يتمَّ تفاهُمٌ عالميّ على أسلوب إنسانيّ في مُعاملة الأسرى انفرد الإسلام بتعاليم تحْنُو على أولئك المَنكوبين، وتُذَكِّرُ بالأُخُوَّةِ الإنسانية، وتُوصي بالرحمة، وتُعاقب على الغِلْظة، أو بعبارة مُوجزة: جفَّف منابع الرِّقِّ جَهْدَ الطاقة، ونوَّع أسباب التحرُّر والانطلاق! فليس هناك أمرٌ باسترقاقٍ، وإنما هناك أوامرُ بالإعتاق)
انتهى مقال شيخنا الفاضل / محمد الغزالي، وبدورنا نقول إن القارئ للتاريخ بحيادية سوف يكتشف بيسر أن الحرب في الإسلام كانت حربا منضبطة لغاية سامية وبوسائل شريفة.
جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الذراري مِن المشركين، يُبَيَّتُون فيُصِيبُون مِن نِسائهم وذَراريهم. فقال:
"هُم مِنهم"
فالنساء تبَع للرِّجال .. وإلاَّ فمن المعلوم أن الْمَرْأة لا تُقاتِل غَالبا، ولذلك يُسْبَون لأن رجالهم اخْتَارُوا القِتال .. ولا يُقتَلُون لأنهم لم يُقاتِلوا.
ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَنْهى عن قَتْل النساء والأطفال لأنهم لا يُقاتِلون ..
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصَّتِه بتقوى الله، ومن مَعه من المسلمين خيرا، ثم قال:
"اغْزُوا باسم الله في سبيل الله، قَاتِلُوا مَن كَفَرَ بالله، اغْزُوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدُرُوا، ولا تُمَثِّلُوا، ولا تَقْتُلُوا وَليدًا، وإذا لَقِيتَ عَدوك من المشركين فادْعُهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهنّ ما أجابوك فاقْبَل منهم وكُفّ عنهم: ادْعُهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقْبَل منهم وكُفّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فَلَهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوا أن يَتَحَوّلُوا منها فأخبرهم أنهم يكَونون كأعراب المسلمين يَجري عليهم حُكم الله الذي يَجري على المؤمنين،"