ومن شأن التشريع الذي يفعل هذا بخطوة واحدة متسرعة أن يفشل فشلًا ذريعًا.
فمن الناحية النفسية، فإن السادة يحتاجون وقتًا لتغيير نظرتهم إلى العبيد، وقبول الواقع الجديد بعد التحرير والتعامل معه بلا سخط أو تذمر. وكذلك يحتاج العبيد إلى وقت أيضًا للتكيف مع الواقع الجديد. يقول الأستاذ محمد قطب:
ـ إن التحرير بإصدار مرسوم كما يتخيل البعض لم يكن ليحرر الرقيق! والتجربة الأمريكية في تحرير الرقيق بجرة قلم على يد إبراهام لنكولن خير شاهد لما نقول، فالعبيد الذين حررهم لنكولن - من الخارج - بالتشريع، لم يطيقوا الحرية، وعادوا إلى سادتهم يرجونهم أن يقبلوهم عبيدًا لديهم كما كانوا، لأنهم - من الداخل - لم يكونوا قد تحرروا بعد.
فالعبد يحسن القيام بكثير من الأمور حين يأمره بها سيده، فلا يكون عليه إلا الطاعة والتنفيذ. ولكنه لا يحسن شيئًا حين تقع مسئوليته على نفسه، ولو كان أبسط الأشياء، لا لأن جسمه يعجز عن القيام بها، ولا لأن فكره - في جميع الأحوال - يعجز عن فهمها؛ ولكن لأن نفسه لا تطيق احتمال تبعاتها، فيتخيل فيها أخطارًا موهومة، ومشكلات لا حل لها، فيفر منها إبقاء على نفسه من الأخطار!
إن التكيف النفسي لا يذهب به إعلان تصدره الدولة بإلغاء الرق. بل ينبغي أن يُغَّير من الداخل. وذلك ما صنعه الإسلام. فقد بدأ أولًا بالمعاملة الحسنة للرقيق. ولا شيء كحسن المعاملة يعيد توازن النفس المنحرفة، ويرد إليها اعتبارها، فتشعر بكيانها الإنساني، وكرامتها الذاتية، وحين ذلك تحس طعم الحرية فتتذوقه، ولا تنفر منه كما نفر عبيد أمريكا المحررون)