الصفحة 32 من 35

المعلوم أن المذاهب قد جاءت بعد وضوح معالم مدرستين هما مدرسة الرأي وعلى رأسها ابن مسعود - رضي الله عنه - و النخعي وربيعة الرأي ومن بعدهم أبو حنيفة، ومدرسة الحديث وعلى رأسها سعيد بن المسيب وفقهاء المدينة ومالك و الشافعي وأحمد وغيرهم.

وكان لمدرسة الرأي المجال الأوسع في التأويل والتعاطي مع المعاني والأصول العامة؛ وهذا لا يعني أن مدرسة الحديث لم يكن لها نصيب من الاجتهاد بالرأي، بل كان ولكن بصورة أقل من مدرسة الرأي وفق الأصول التي تبناها كل مذهب.

وقد كان التأويل من الأسباب الهامة في الاختلاف الفقهي بين المذاهب، وقد اقتضته طبيعة النصوص الفقهية الظنية وحصول التعارض الظاهري بين كثير منها؛ لذا كان يقتضي الجمع بين النصين المتعارضين في ظاهرهما تأويل أحد الدليلين ليتفق مع الدليل الآخر، وأنواع التأويل المفضي للجمع بين الأدلة كثيرة، فقد يكون التأويل بتخصيص أحد الدليلين، أو بتقييد المطلق، أو بحمل اللفظ على المجاز، أو حمل الأمر على الندب، أو الجمع بين الدليلين على اعتبار الجواز والتخيير، التأويل ببيان تغير الحال أو المحل .. إلخ [السوسوة، 97: 155]

وقد كان أيضًا لطبيعة الأصول التي اعتمدتها مدرسة الرأي بتقديم القياس على خبر الآحاد ووضع شروط كثيرة للأخذ بالحديث الشريف الأثر الواضح في اتساع دائرة التأويل في المسائل العملية خاصة مع الآثار التي تتعارض ومقتضى القياس.

ولعل من التأويلات الفقهية المخالفة لظاهر النص عند الحنفية، تأويل أبي حنيفة في خمس الغنائم لذي القربى أنه قال باعتبار الحاجة مع القرابة، وحرمان من ليس محتاجًا من ذي القربى، ومنه أيضًا قول أصحاب أبي حنيفة بالقيمة في الزكاة؛ حيث اعتبروا أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: في أربعين شاة شاة.» يراد به قيمة الشاة لا عين الشاة، وكذلك قولهم بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر مع أن ظاهر النص قد عين الأصناف الواجب إخراج الزكاة منها .. إلخ

نظرة إجمالية للتأويل وأثره في الاختلاف الفقهي.

ذكرت سابقًا أن الاختلاف الناشئ عن التأويل في الفقه في أغلبه اختلاف تنوع لا تضاد إذا توافرت في التأويل شروطه وضوابطه، وهو اختلاف اقتضته عدة عوامل منها:

1 -طبيعة النصوص الفقهية التي تميز غالبها بأنه من باب ظني الدلالة

2 -طبيعة اللغة ومرونتها وكثرة احتمالاتها، وتراوحها بين الحقيقة والمجاز

3 -التعارض الظاهري بين الأدلة والذي يستلزم الجمع بين الأدلة بصرف ظاهر اللفظ في الدليل المعارض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت