فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 173

والواقع أن الإسلام اهتم بتوافر تلك الصفات في العاملين، بحيث إنه كان يطلب فيمن يشغل أي عمل توافر تلك الصفات.

وقد جاء منهج ابن تيمية مطابقًا لمنهج الإسلام في ذلك.

من ذلك، يتضح أن مقياس الصلاحية عند ابن تيمية: القوة والأمانة، ولكن إذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، فمن يقدم لتلك الولاية؟

ثالثًا: اجتماع القوة والأمانة:

بعد أن بيَّن الشيخ ابن تيمية -رحمه الله - معنى القوة والأمانة، نراه يذكر أن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ويستدل بقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (( اللهم إني أشكو إليك جلد الفاجر [1] ، وعجز الثقة ) )...

ثم يقول: (( فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها. فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها ) ) [2] .

ثم أخذ في ضرب الأمثلة على ذلك، فيقول رحمه الله:

(( فيقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع، وإن كان فيه فجور فيها، على الرجل الضعيف العاجز، وإن كان أمينًا؛ كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف، مع أيهما يغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي، فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف، فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر ) ).

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر .. ) )وروي (( بأقوام لا خلاق لهم ) ). فإذا لم يكن فاجرًا، كان أولى بإمارة الحرب ممن هو أصلح منه في الدين، إذا لم يسد مسده )) [3] .

وضرب بعد هذا مثلًا، لتولية القوي في الحرب بتولية الرسول - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد عليها، وقوله فيه: (( إن خالدًا سيف سله الله على المشركين ) ). مع أنه أحيانًا كان قد يعمل ما ينكره النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى إنه مرة رفع يديه إلى السماء، وقال: (( اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ) ). لما أرسله إلى جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، ولم يكن يجوز ذلك، وأنكره عليه بعض

(1) جَلَد الفاجر: أي قوته وعظم احتماله.

(2) السياسة - ص 16.

(3) السياسة ص 16 - 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت