فهرس الكتاب
(( ولا يكون عمله - المحتسب - صالحًا، إن لم يكن بعلم وفقه، كما قال عمر بن عبدالعزيز: (( من عبدالله بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح ) ).
وكما في حديث معاذ بن جبل: (( العلم إمام العمل، والعمل تابعه ) )... ثم قال: (( ومن الصلاح أن يأتي - المحتسب - بالأمر والنهي بالصراط المستقيم، وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود ) ).
(( ولا بد في ذلك من الرفق، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا كان العنف في شيء إلا شانه ) ).
وقال: (( إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف ) ).
(( ولا بد أيضًا أن يكون حليمًا صبورًا على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يحلم ويصبر، كان ما يفسد أكثر مما يصلح، كما قال لقمان لابنه: {وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [1] .
(( ولهذا أمر الله الرسل بالصبر، كقوله لخاتم الرسل، بل هو مقرون بتبليغ الرسالة، فإنه أول ما أرسل أنزلت عليه سورة (( يا أيها المدثر ) )بعد أن أنزلت عليه سورة (( اقرأ ) )، التي بها نُبِّئ، فقال: {يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [2] .
فافتتح آيات الإرسال إلى الخلق بالأمر بالنذارة، وختمها بالأمر بالصبر.
ونفس الإنذار: أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
(( فعلم أنه يجب بعد ذلك الصبر وقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [3] .
وقال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [4] .
فلا بد من هذه الثلاثة: العلم، والرفق، والصبر.
(( العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه، والصبر بعده. وإن كان كل من الثلاثة مستصحبًا في هذه الأحوال. وهذا كما جاء في الأثر عن بعض السلف: (( لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر
(1) الآية (17) من سورة لقمان.
(2) الآيات (1 - 7) من سورة المدثر.
(3) الآية (48) من سورة الطور.
(4) الآية (10) من سورة المزمل.