أ دليلهم من الكتاب: قول الله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [1] .
وجه الدلالة: أن الآية تقيد إطلاق الحرية للبائع، والتسعير حجر عليه وإلزام له.
نوقش الدليل: بأن التسعير لا يخالف الآية الكريمة، لأن التسعير ما هو إلا إلزام للتجار ببيع السلعة بسعر المثل الذي يراعى عند تحديده مصلحة البائع والمشتري، وعلى هذا فلا يكون فيه أكل لأموال الناس بالباطل.
ب دليلهم من السنة: ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (( غلا السعر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله لو سعَّرْت؟ فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعِّر وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال ) ) [2] .
وما روي عن أبي هريرة عند أحمد وأبي داود قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله سَعِّر. فقال: (( بل أدعو الله ) ).
ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله سَعِّر. فقال: (( بل الله يخفض ويرفع ) ).
ووجه الدلالة: أن الرسول امتنع عن التسعير مع أن الصحابة طلبوا منه ذلك، وأن الرسول علل امتناعه بأنه ظلم والظلم حرام، وعلى هذا يكون التسعير حرامًا.
نوقش الدليلان: بأنهما لا يدلان على تحريم التسعير مطلقًا، لأن امتناع الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن التسعير محمول على حالة خاصة وهي أن التجار في ذلك الوقت كانوا أهل تقوى وصلاح، وكانوا يبيعون بأسعار مناسبة. ومن ناحية أخرى فالرسول عليه الصلاة والسلام لم ينه عن التسعير صراحة.
وفي الرد على من استدل بالحديثين السابقين يقول ابن تيمية - رحمه الله -: (( ومن منع التسعير مطلقًا محتجًا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله هو المسعِّر القابض الباسط ... ) )الحديث. فقد غلط. فإن هذه قضية معينة , ليست لفظًا عامًا، وليس فيها أن أحدًا امتنع من بيع يجب عليه، أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل. ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في
(1) الآية (29) من سورة النساء.
(2) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي.