ومن ثم نرى ابن كثير في كتابه يقول ما نصه: (( وفي ذلك مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى (( الياسا ) )وقدسها عليه! من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [1] وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [2] .
أما بالنسبة للمسلمين فكان القضاة طبعًا يفتون حسب شريعة الله ورسوله فكانت جهة التقاضي واحدة، وكذلك الشريعة التي يحكم بها.
وظل الأمر كذلك إلى سنة 663هـ.
د - سوء الحالة الاقتصادية: كان عامة الناس يشتغلون بالزراعة والصناعة ويتجرون في القليل من المال، وهذه الطبقة هي التي كانت تكوى بنار الغلاء الفاحش الناتج عن سوء الحالة الاقتصادية، حيث يظهر الاحتكار والجشع وستر السلع والحاجات عن أعين الناس.
ومما زاد الأمر سوءًا أنه في شوال من عام 701هـ: (( قدم إلى الشام جراد عظيم أكل الزرع والثمار وجرد الأشجار حتى صارت مثل العصا، ولم يعهد مثل هذا ) ) [3] .
ونتيجة لذلك عمد الناس إلى الغش في المبايعات، واحتكار الأقوات، وتطفيف الكيل والميزان.
وفي هذا يقول أحد الباحثين: إن ذلك (( مما اضطر ابن تيمية لأن يضع كتابيه [الحسبة في الإسلام] و [السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية] ، عله يعيد الأمور إلى نصابها ) ) [4] .
ثانيًا: الطبقات: بصفة عامة كان في المجتمع قوتان كبيرتان لكل منهما نفوذها، الأولى: طبقة الأمراء وعلى رأسهم السلطان، وكان لها نصيب الأسد من النفوذ والجاه، والأخرى هي طبقة العلماء والفقهاء وكبار علماء الدين وقوة هذه الطبقة الدين نفسه، فهو مصدر قوة جياشة.
لذا رأينا ما لعلمائنا الأفذاذ أمثال عز الدين بن عبدالسلام، ومحيي الدين النووي، وشيخنا ابن تيمية، وأمثالهم من نفوذ على السلاطين أنفسهم ومن إليهم.
(1) ابن كثير - نفس المرجع - ص119 ج13. - سورة المائدة الآية 50.
(2) سورة النساء, الآية 65.
(3) ابن كثير - مرجع سابق - ص18 - 19 - ج14.
(4) إبراهيم خليل بركة - مرجع سابق - ص28.