يتجلى في هذا القسم من واجبات ووظائف الدولة فهم ابن تيمية - رحمه الله - العميق للإسلام باعتباره نظامًا اجتماعيًا وسياسيًا وفهمه للحياة الإنسانية والعوامل التي تؤثر فيها، ولخطورة وظيفة الدولة الاقتصادية.
وقد استطاع ابن تيمية الإجابة على مسألة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية كما هي في نظر الإسلام. إذ عالج المسألة من صميمها، فبين هل للدولة الحد من حرية الفرد الاقتصادية في التملك والعمل أم لا؟ وبين الحدود التي بين الفرد والجماعة في النشاط الاقتصادي، كما وضح مدى الاستفادة أو عدمها من تدخل الدولة.
إذ تكلم عن التسعير وحكمه وأقوال العلماء فيه، وما يتصل بذلك، وتحدث عن الاحتكار ومضاره، وغير ذلك.
وسوف نوضح ذلك في الفصل الثالث إن شاء الله.
هـ - إعداد المواطنين وتوزيعهم على الأعمال: يجب على الدولة إعداد من يصلحون للأعمال التي هي فرض على الكفاية، والتي لا تتم مصلحة الناس إلا بها إذا لم يوجدوا.
يقول ابن تيمية في السياسة:
(( ومع أنه يجوز تولية غير الأهل للضرورة، إذا كان أصلح الموجود، فيجب مع ذلك السعي في إصلاح الأحوال، حتى يكمل في الناس ما لا بد لهم منه، من أمور الولايات والإمارات ونحوها؛ كما يجب على المعسر السعي في وفاء دينه، وإن كان في الحال لا يطلب منه إلا ما يقدر عليه؛ وكما يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، بخلاف الاستطاعة في الحج ونحوها، فإنه لا يجب تحصيلها، لأن الوجوب هناك لا يتم إلا بها ... ) ) [1] .
و - الوظيفة الدينية والخلقية: لا يقتصر تدخل الدولة في الإسلام على النواحي المالية والاقتصادية والقضائية، ولكنه يتعداه إلى تنظيم الحياة الخلقية والدينية.
ومعنى تنظيم الحياة الدينية: أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله )) [2] .
ولذلك قال ابن تيمية - رحمه الله - في السياسة:
(( لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أردنا إظهار دين الله، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [3] .
(1) السياسة - ص 21.
(2) السياسة - ص 26.
(3) الآية (190) من سورة البقرة.