هذا والأزهر الذي قام فيما مضى برسالة الثقافة الإسلامية، في العقيدة والتشريع والتهذيب، وتركيز الفكر الإسلامي وتنميته، على أساس من الحرية في الاجتهاد والنظر لمعرفة الصالح، قدا أصابته هو الآخر، ما أصاب غيره، من وجود الضغط وعوامل الركود.
وإذا كنا والحمدلله صرنا إلى عهد الإنقاذ الجاد، فاني أرى علاجًا لهذا الشأن، أن أهم ما يجب أن يتجه إليه، ويبادر بوضع أسس التوجيه فيه خدمة للمجتمع، هو الأزهر، الذي احتل مكانته منذ القدم من قلوب المسلمين جميعًا، فهو وحده الذي يستطيع - إذا هيئت له السبل، ومهد له طريق البحث والتوجيه - أن يعمل على غرس الروح الديني السليم في النفوس وهو وحده - باعتبار مكانته الدينية - الذي يستطيع توجيه المجتمع، ويضم شتات المسلمين في جميع بقاع الأرض، على أساس من الوحدة المثالية، التي يصفها الله بقوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [1] .
إن آيات القرآن الكريم، وإرشادات النبي صلى الله عليه وسلم - وهما أصل النظام الإلهي الإسلامي - يدفعان المسلمين إلى مسايرة العالم غربيه وشرقيه في علومه الكونية، وفي جميع وسائل الخير والتقدم، بل يلحان ويشتدان في الإلحاح عليهم؛ أن يتفوقوا على من سواهم، في كل ما يتصل بالعزة والكرامة والمجد، حتى أنهما لم يجعلا العزة لمن سواهم، ويلحان في أن يكونوا - كذلك - المثل العليا للبشرية في الأخلاق، والروابط الاجتماعية، التي يقرران مبادئها في كل ناحية، وفي كل مجتمع.
ولا يظن ظان أن أبناء الأزهر غفلوا في تلك الحقبة الطويلة عن ركود الأزهر واطمأنوا إليه، فقد قامت فيه من نصف قرن مضى إلى الآن، ثورات: تعمل على دفعه، وعلى تخليصه من الركود والجمود، تعمل على بسط رسالته، وقيامه بها حق القيام.
كانت ثورة الشيخ محمد عبده، وكانت ثورة الشيخ المراغي في عهده الأول للمشيخة، ولا تزال بيدنا مذكرته الإصلاحية التي يقول فيها بعد كلام طويل، يذكر فيه مهاجمة المذاهب الحديثة للثقافة الإسلامية، ويصف به علماء القرون الأخيرة، ويصف به الكتب الملتزمة، وطرق التدريس المتبعة، ثم يقول: وإني أقرر مع الأسف: أن كل الجهود التي بذلت لإصلاح المعاهد منذ عشرين سنة، لم تعد بفائدة تذكر في إصلاح التعليم. وأقرر أن نتائج الأزهر والمعاهد تؤلم كل غيور على أمته وعلى دينه، وقد صار من الحتم لحماية الدين - أن يغير التعليم في المعاهد، وأن تكون الخطوة إلى ذلك جريئة، ويقصد بها وجه الله.
(1) آل عمران: 110.