الصفحة 107 من 108

صوره في الطرقات والمجتمعات؟ وهكذا أتخيل هذا الصوت يتردد في صدر صاحبه بهذا وأمثاله، مما نسمع ونقرأ.

وإني لأجمل الرد على هذا الصوت بكلمتين اثنتين:

أولهما: أن هذا الصوت يحمل في طياته القريبة، روح التنكر لما عرف أنه من صميم المبادئ الإلهية، والقيم الأخلاقية، وهو دون شك من هذا الجانب، أثر من آثار نزعات التحلل، التي تعمل عليها ولها، الأفكار الوافدة الهدامة التي أشرنا إليها، والتي ليس لها في مجتمعنا سوى ضياع الشخصية الإسلامية، التي كان بها لمصر فضل تبنيها والمحافظة عليها، والتي كان بها لمصر فضل صدارتها للعالم الإسلامي وكان بها لمصر أن اتجهت إليها الشعوب الإسلامية، فبعثت بأبنائها لتثقيفهم في أزهرها، وكان بها لمصر أن سدت حاجة الدول الإسلامية كلها إلى أساتذة أزهريين، يقومون في معاهدها بتدريس الشريعة واللغة.

وكان بها لمصر أن لبت الشعوب الإسلامية دعوتها لتكوين مؤتمر إسلامي عام، يبحث في شئونهم، ويجمعهم على أساس موحد، وأخيرًا طاف بحرارتها في النفوس، وقوتها في تلك الشعوب السيد وزير الدولة، وسكرتير المؤتمر الإسلامي، جميع البلدان الإسلامية، للتحدث في شئون المؤتمر، استقبل فيها بالحفاوة البالغة، يعلوها اسم الإسلام، واسم مصر الإسلامية.

أما الكلمة الثانية: فهي أن هذا الصوت قد يكون له عذر إلى حد ما، فإن بعض ما يذكر قد صور بغير واقعه الصحيح في الإسلام؛ وفيه ما لم يشرح بوجهة النظر الإسلامية، وأقولها صريحة:

إن منشأ ذلك ليس إلا ترك المصادر الأولى في استنباط الأحكام ودراستها، والتعلق بالشروح والتفاسير الإنسانية التي اتصلت بالمصادر في عهود الضغط على الفكر الإسلامي، واتخذت هذه الشروح دينًا ونصًا، يجب اتباعه، ويحرم بجانبها أن ننظر، وأن نجتهد في تلك المصادر، التي جاءت على أساس التقبل لكل خير وصلاح، وطرح كل شر وفساد.

وقد شيع بين المسلمين تبريرًا لهذه الوقفة، أن السابقين حللوا المصادر، وطبقوا قواعدها على كل ما يمكن أن يجيء به الزمن، ويحدث من قضايا الناس وحاجاتهم إلى يوم الدين، وبذلك انطوت صحف تلك المصادر، وأصبح المسلمون لا يعرفون منها إلا ما يحكيه أرباب المذاهب والآراء، من الجانب الذي يؤيد مذاهبهم وآراءهم، وأصبحوا كذلك لا يعرفون من دينهم إلا ما دون في الكتب وشاع في الأجيال الماضية على أنه دين وشرع.

وبهذا تهيأ لقوى المعارضة أن تزحف، ولأرباب المذاهب المستحدثة أن يهاجموا، ولأرباب النزعات التحليلية، أن يجهروا بمبادئهم إن صح تسميتها مبادئ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت