الصفحة 106 من 108

اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ: كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى. وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ. وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [1] .

هذا هو الأساس الذي يملك باطن الحياة قبل ظاهرها، وهو الذي ينبع من القلب والوجدان، من قبل أن تمر عليهما التيارات العقلية المنحرفة والمتضاربة.

إن وصايا الدين - كما تؤخذ من مصادرها الصحيحة، ومن قبل أن يعبث بها العقل الإنساني، فيصرفها إلى غاية بشرية معينة - لتقف بالإنسان في جميع نواحيه عند حد التوازن والاعتدال، وبذلك يصان المجتمع عن الركود في نموه وتكامله، وعن الطغيان في سلوكه وتصرفه.

وهذا هو ما يرمي إليه الإرشاد الإلهي حينما يقول: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [2] فالاستقامة ليست سوى الوقوف في مستوى التوازن، والطغيان ليس سوى الانحراف عن هذا المستوى، والركون إلى الظالمين، ليس سوى متابعة أرباب الأهواء والأفكار النادة، الذين يحاولون صرف الناس عن حد التوازن.

إني أتخيل صوتًا يتردد في بعض الصدور، ويكاد يفصح عن نفسه: ما هذا الذي يريدنا الشيخ عليه؟ أيريدنا على أن نطلق للرجل حريته في طلاق زوجه، فتتشرد أبناؤه وبناته وفي تزوجه بأربع، فتلتهم بيته وأسرته، نار العداوة والبغضاء؟ أيريدنا على أن يحال بين الفتى وخطيبته دون أن يتعرف كل منهما خواص صاحبه واتجاهاته؟ أيريدنا على أن تظل البنت في بيت أبيها محرومة من العلم والسعي والعمل، وهي إنسان يحب العلم والمعرفة، ويهفو إلى الأعمال ويحسنها؟

أيريدنا على أن تظل المرأة هضيمة الجناح، تساق إلى بيت الطاعة بالقوة والضغط، وتعطى النصيب الأقل بالنسبة لأخيها وزوجها في التركة والميراث؟ أيريدنا على أن نغلق المصارف المالية، والشركات التعاونية، التي تقوم بضرورات المجتمع وخدماته بما يحقق للناس سعادتهم، ويمكنهم من معيشتهم؟ أيريدنا على ضغط الحرية الشخصية، فلا يسمح للمرأة بحق الاجتماع، ولا بحق الاختلاط ولا بحق الخلوة؟

أيريدنا على أن نحكم بقطع يد السارق، لدارهم معدودة قد تكون الحاجة هي التي دفعته إلى أخذها؟ وأخيرًا أيريدنا على أن نترك مجالسنا الساهرة التي نرفه بها عن أنفسنا، ثم نخلع أحذيتنا وملابسنا، لنتوضأ ونصلي قبل فوات الوقت؟ أيريدنا على أن نغض أبصارنا عن التمتع بالجمال السافر، الذي تتوارد علينا

(1) طه: 123 - 127.

(2) هود: 112، 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت