الصفحة 70 من 108

التي لم تنسخ في ملة من الملل؛ وينظمها مع الإيمان بالله في سلك واحد {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} إلى أن يقول {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [1] .

وقد تأثرت نفوس القوم بهذه الوصايا المكية التي جاءت في شأن اليتيم، وصاروا من أمره في حرج وحيرة؛ أيتركون القيام عليه فيفسد أمره ويختل شأنه، أم يقومون عليه ويعزلونه من أبنائهم في مأكله ومشربه فيشعر بالذلة والمسكنة أم يخالطونه فيعرضون أنفسهم لأكل شيء من ماله؟ أم ماذا يفعلون؟

التمست نفوسهم ما ينقذهم من هذه الحيرة، ويخفف عنهم عبء هذه المسؤولية التي ثقل بها كاهلهم، وعندئذ نزل قوله تعالى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى، قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} [2] . فأفهمهم أن المخالطة مع العدل والإصلاح من مقتضى ما بينهم من الأخوة الإنسانية والدينية والرحم.

ثم جاءت سورة النساء وبرزت فيها عناية خاصة باليتيم في شأنه كله، ومهدت لهذه العناية بطلب تقوى الله والأرحام، وبيان أن الناس جميعًا خلقوا من نفس واحدة، فاليتيم حتى وإن كان من غير أسرتكم، أخوكم ورحمكم، فقوموا له بحق الأخوة وحق الرحم واحفظوا أمواله، وهذبوا نفسه، واحذروا اغتيالها وأكلها، واحذروا إهماله وإلقاء حبله على غاربه، وفي ذلك يقول الله تعالى {وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [3] ويقول: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ، فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَاكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [4] .

هذا بعض ما نقرأ في القرآن من وجوه العناية باليتيم، في ماله وتربيته وتهذيبه وقد ورد في الهدي النبوي الشيء الكثير من العدة برفع الدرجات فيما يختص بكفالة اليتيم، والقيام بحقه وواجبه وحسب من كفل اليتيم ورعاه وقام بوصايا الله فيه، أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة صاحبًا وقرينًا، يتمتع بما فيها من النعيم، كما متع اليتيم برعايته، وحسن معاملته، والإشراف عليه: (من عال ثلاثة من الأيتام، كان كمن قام ليله وصام نهاره، وغدا وراح شاهرًا سيفه في سبيل الله، وكنت أنا وهو

(1) الأنعام: 152.

(2) البقرة: 220.

(3) النساء: 2.

(4) النساء: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت