سبيلًا لخروجِ المالِ من اليد، إن لم يكن إنفاقًا أو هبة أو صدقة فقال {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} فالتراضي مقصد من مقاصد الشارع في حفظ المال.
والتراضي يؤسس لمقصد منع عيوب الإرادة، كما يسميه القانونيون، وهو الغش والخديعة، أو أن يكون الشخص بحالة عقلية لا يستطيع معها أن يكون مريدًا، كالمجنون والصبي غير المميز. فهذه عيوب تمنع تصور التراضي، لأن التراضي هو تفاعلٌ من طرفين.
ينشؤ عنه تحريم الغصب والسرقة والإضرار بالغير في ملكه، ولزوم التراضي في التبادل؛ هذه كلها مقاصد جزئية. لكن يمكن أن نقول بوجود مقاصد اجتماعية؛ كدفع العداوة والبغضاء {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} ولهذا يعلل تقي الدين ابن تيمية منع الغرر والجهالة بأنها تورث البغضاء وأكل أموال الناس بالباطل. ولذلك أباح في نصوص كثيرة له الغررَ الذي لا بد منه وقال إن: هذا لا يورث التباغض.
وما سماه الطاهر بن عاشور الوضوح، يمكن أن نسميه بالشفافية، بحيث لا يوجد غش ولا خديعة ولا خلابة.
أما مقصد التبادل أو التداول. فهو الذي سماه الطاهر بن عاشور: الرواج. والرواج لغة: ضد الكساد. وأما التبادل والتداول فهو ضد الاحتكار والكنز. ولأجل ذلك يفرق بعض الفقهاء بين الإدارة والاحتكار في الزكاة؛ فالمدير عندهم يزكي كل سنة، والمحتكر يزكي عندما يبيع سلعَه، وفسروا المدير بأنه الذي لا يستقر عنده عينٌ ولا عرض. والمحتكر هو الذي يترك البضاعة حتى يرتفع ثمنها ثم يبيعها.
فالاحتكار ضد التداول، فالأخير مطلوب والأول مذموم ففي حديث مسلم (من احتكر فهو خاطئ) ، قد فسره جمهور العلماء بأنه احتكار القوتٍ خاصة، وأن الاحتكار في السلع الأخرى ليس حرامًا ولا مذمومًا. لكن قد يقاس عليه الكساء ونحوه من الحاجات التي يحتاج إليها الإنسان؛ بحيث يصبح عامة الناس في مشقة،