الحديث:"تَرَكتُكُمْ عَلى الجَادَّةِ" [1] وقوله:"لا يَهْلِكُ عَلى اللهِ إلا هَالِكُ" [2] . ونحو ذلك من الأدلة الدالة على تمام الأمر وإيضاح السبيل.
وإذا كان كذلك، وكانت الجزئيات وهي أصول الشريعة؛ فما تحتها مستمدَّة من تلك الأصول الكلية، شأن الجزئيات مع كلياتها في كل نوع من أنواع الموجودات؛ فمن الواجب اعتبار تلك الجزئيات بهذه الكليات عند إجراء الأدلة الخاصة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس؛ إذ محال أن تكون الجزئيات مستغنية عن كلياتها، فمن أخذ بنص مثلًا في جزئي معرضًا عن كليه فقد أخطأ. وكما أنَّ منْ أخذَ بالجزئي مُعرضًا عن كليه؛ فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضًا عن جزئيِّه.
وبيانُ ذلك أن تلقِّيَ العلم الكلي إنما هو من عَرْض الجزئيات واستقرائها؛ وإلاَّ فالكلي من حيث هو كلي غير معلوم لنا قبل العلم بالجزئيات، ولأنه ليس بموجود في الخارج، وإنما هو مضمَّنٌ في الجزئيات حسبما تقرر في المعقولات؛ فإذًا الوقوف مع الكلي مع الإعراض عن الجزئي وقوفٌ مع شيءٍ لم يتقرر العلم به بعد دون العلم بالجزئي، والجزئيُّ هو مظهر العلم به.
وأيضًا؛ فإن الجزئي لم يوضع جزئيًّا؛ إلا لكون الكلي فيه على التمام وبه قوامه، فالإعراض عن الجزئي من حيث هو جزئي إعراض عن الكلي نفسه في الحقيقة، وذلك تناقض، ولأن الإعراض عن الجزئي جملة يؤدي إلى الشك في الكلي من جهة أن الإعراض عنه إنما يكون عند مخالفته للكلي أو توهم المخالفة له، وإذا خالف الكلي الجزئي مع أنا إنما نأخذه من الجزئي؛ دلَّ على أنَّ ذلك الكلي لم يتحقق العلم به لإمكان أن يتضمن ذلك الجزئي جزءًا من الكلي لم يأخذه المعتبر جزءًا منه، وإذا أمكن هذا؛ لم يكن بدُّ من الرجوع إلى الجزئي في معرفة الكلي، ودلَّ ذلك على أنَّ الكليَّ لا يعتبر بإطلاقه دون اعتبار الجزئي، وهذا كله يؤكد لك
(1) - ذكره ابن الأثير في جامع الأصول 1/ 293
(2) - أخرجه مسلم في الصحيح: كتاب الإيمان رقم 131