أن المطلوب المحافظة على قصد الشارع؛ لأن الكلي إنما ترجع حقيقته إلى ذلك، والجزئي كذلك أيضًا؛ فلا بد من اعتبارهما معًا في كل مسألة.
فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية، ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة؛ فلا بد من الجمع في النظر بينهما؛ لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفاظ على تلك القواعد؛ إذ كليةُ هذا معلومةٌ ضرورةً بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة؛ فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع، وإذا ثبت هذا؛ لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي" [1] ."
لكن الشاطبي وهو يُقررُ هنا أهميةَ الجزئي فإنه يَكُر في مكان آخر على هذه القاعدةِ بما يُشبه النقضَ حيث يَحكمُ على الجُزئي بالتقهقرِ أمامَ الكليِّ مُحافظةً على النظام قائلًا: والقاعدة المقررة في موضعها أنه إذا تعارض أمرٌ كُليٌّ وأمرُ جُزئيٌّ؛ فالكُلي مقدَّم لأنَّ الجُزئيَّ يقتضي مصلحةً جزئية، والكليَّ يقتضي مصلحة كلية، ولا ينخرم نظامُ في العالم بانخرام المصلحة الجزئية، بخلاف ما إذا قدّم اعتبار المصلحة الجزئية؛ فإنَّ المصلحة الكلية ينخرم نظام كلِّيتها، فمسألتنا كذلك؛ إذْ قد عُلم أنَّ العزيمة بالنسبة إلى كل مكلفٍ أمرٌ كليٌّ ثابت عليه، والرخصة إنما مشروعيتها أنْ تكون جزئية، وحيث يتحقق الموجب، وما فرضنا الكلامَ فيه لا يتحقق في كلِّ صورة تُفرض إلا والمعارض الكُليُّ ينازعه؛ فلا يُنجى من طلب الخروج عن العُهدة إلا الرجوع إلى الكُليّ وهو العزيمة [2] .
وفي هذا تندرج الموازنة بين المقاصد والنصوص الجزئية وبين القواعد والفروع.
وبخاصة في عمليات الاجتهاد المطلق بالاستحسان.
(1) - الشاطبي، ... الموافقات ... 3/ 171 - 176
(2) - الشاطبي الموافقات 1/ 498