فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 69

ومما يدل على جواز تأجيل البدلين تخصيص الشارع وجوب التقابض بالنقدين أو الطعامين لما يؤدي إليه التأجيل فيهما من المنازعة الشديدة.

وقد نبه ولي الله الدهلوي على مقصد الشارع في وجوب التقابض فيهما بقوله: وإنما أوجب التقابض في المجلس لمعنيين:

أحدهما: أن الطعامَ والنقدَ الحاجةُ إليهما أشد الحاجات وأكثرها وقوعًا، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا بالإفناء والإخراج من الملك، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد فني، وذلك أقبح المناقشة، فوجب أن يسد هذا الباب بألا يتفرقا إلا عن قبض، ولا يبقى بينهما شيء، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، وحيث قال في اقتضاء الذهب من الوَرِق:"ما لم تتفرقا وبينكما شيء".

والثاني: أنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره في جانب، فالنقد وسيلة لطلب الشيء كما هو مقتضى النقدية، فكان حقيقيًا بأن يبذل قبل الشيء وإذا كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم ببذل أحدهما تحكُّمًا، ولو لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ وربما يشح بتقديم البدل، فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما، ويؤمرا جميعًا ألا يتفرقا إلا عن قبض، وإنما خص الطعام والنقد؛ لأنهما أصلا الأموال وأكثرها تعاورًا، ولا ينتفع بهما إلا بعد إهلاكهما، فلذلك كان الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض أكثر وأفضى إلى المنازعة، والمنع فيهما أردع عن تدقيق المعاملة.

واعلم أن مثل هذا الحكم إنما يراد به ألا يجري الرسم به، وألا يعتاد تكسب ذلك الناس، لا أن لا يفعل شيء منه أصلًا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لبلال:"بِعِ التمرَ ببيعٍ آخر، ثم اشترِ به" [1] .

قلت: يفهم منه أن غير النقد والطعام الأمر فيه أهون والخطب فيه أيسر وهو كذلك فلو انضبطت معاملات تأجيل البدلين ولم تكن في طعام ولا نقدين لما كان القول

(1) - ولي الله الدهلوي حجة الله البالغة 2/ 918

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت