فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 69

وبيان ذلك أنَّ حفظ المهجة مهمُّ كلىُّ وحفظ المروءات مستحسن؛ فحُرِّمت النجاسات حفظًا للمروءات، وإجراءً لأهلها على محاسن العادات، فإن دعت الضَّرورة إلى إحياء المهجة بتناول النجس؛ كان تناوله أولى.

وكذلك أصل البيع ضروري، ومنع الغَرَر والجهالة مكمل، فلو اشترط نفي الغرر جملة لا نْحَسَم باب البيع، وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية، واشتراط حضور العوضين في المعاوضات من باب التكميلات، ولما كان ذلك ممكنًا في بيع الأعيان من غير عسر؛ منع من بيع المعدوم إلا في السَّلَم، وذلك في الإجارات ممتنع؛ فاشتراط وجود المنافع فيها وحضورها يسدُّ بابَ المعاملة بها، والإجارة محتاج إليها؛ فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد [1] .

وإذا عالجنا المسألة مقاصديًا في محاولة لإدراك علة منع تأجيل البدلين أو أحدهما في بعض المعاملات وجدنا جوابًا للقرافي وآخر لولي الله الدهلوي في الحجة البالغة وذلك مما يفتح الباب أمام الاجتهاد عند أمن الوقوع في محذور الخصومة التي أشارا إليها فقد أشار القرافي في الفروق إلى المقصد من منع تأجيل البدلين بقوله: وها هنا قاعدةٌ وهي أَنَّ مطلوب صاحب الشَّرع صلاح ذات البين وحسم مادَّة الفساد والفتن حتى بالغ في ذلك بقوله عليه السَّلام:"لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَحَابُّوا".، وإذا اشتملت المعاملة على شغل الذِّمَّتَيْنِ توجَّهتْ المُطالبةُ منْ الجهتين فكان ذلك سببًا لكثرة الخُصومات والعداوات فمنع الشَّرعُ ما يفضي لذلك وهو بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ [2] .

قلتُ: يفهم من ذلك أننا إذا توصلنا إلى آليات تحسم مادة الخصومات وترفع غائلة العداوات ودعت إلى تأجيل البدلين دواعي عوادي الحاجات ما كان ذلك فندًا من القول ولا فيولة في الرأي.

(1) - الشاطبي ... الموافقات 2/ 26

(2) - القرافي الفروق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت