استرجاع أصالته وشخصيته المستقلة المتميزة، وعلى الرغم من أن الرؤية الحقيقية للمشكلة لم تزل غير واضحة أمام الجميع بنفس الدرجة، إلا أن الشعور العام في ذلك العالم المسلم يسعى إلى رسم ملامح الشخصية الإسلامية من جديد، وما تم عمليًا إلى الآن في المجالات الفكرية المتنوعة لكفيل اليوم، وفي المستقبل أن يحول بين المسلمين وضياعهم، وذوبانهم، واستسلامهم النهائي للأمم الأخرى من أرباب الحضارة المادية الزائلة [1] . (8)
المبحث الثاني
مجال الإفادة من التجارب العالميّة، وآلياتها، وموازينها
أولا: مجال الإفادة من التجارب العالميّة.
كما بدأنا هذا الباب نؤكّد في هذا المبحث مرّة أخرى في حديثنا عن مجال الإفادة من التجارب العالميّة بأن الحكمة ضالّة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، ومما يستوجبه عليه منهجه الإسلامي هو أن يسعى لها ويأخذها من أي وعاء وجدت فيه، وينظر في ذلك للحكمة ولا ينظر إلى الوعاء الذي أخذها منه.
ولا يمكن للإنسان المسلم أن يكون متقوقعا ومنغلقا على نفسه كما يتصوّر البعض، وأنّه قد وضع على عينه غشاوة فلا يرى شيئا خارج محيطه، وسد أذنيه فلا يسمع إلا لأهل منهجه، وأغلق عقله بقفل محكم فلا يفتحه لشيء وإن قام عليه برهان العقل، أو دليل الحس، أو سلطان الواقع [2] . (9)
إن الإنسان المسلم قد تعلّم أن يلتمس المنهج من كتب ربّه وسنّة نبيّه (?) ، وبذلك يتقن تعامله مع ما يراه ويعايشه من تجارب للآخرين فيستفيد منها، ويأخذ ما يناسبه، ولا يقف عند هذا الحد فحسب بل يطوّر ما يأخذه ويستثمره لصالح بناء مجتمعه وأمّته.
يقول الأستاذ محمّد أسد في كتابه (الطريق إلى مكّة) كلام جميل بدا فيه الاتزان والحصافة الفكريّة، وهو يحدّد بلباقة فائقة، ومقدرة كبيرة الخط العادل المتّزن الذي يجب أن يسير
(1) د. محسن عبد الحميد، حركة التغيير الاجتماعي في القرآن، مرجع سبق ذكره، ص 126.
(2) د. القرضاوي - يوسف، ثقافتنا بين الانفتاح والانغلاق، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2000 م، دار الشروق، القاهرة - جمهورية مصر العربيّة، ص 39.