الفصل الثاني
الشورى والديموقراطيّة
إن نظام الشورى هو نظام شرعي مؤصّل كمبدأ أساسي من مبادئ الإسلام، وهو أصل لا يمكن أن يقوم النظام الإسلامي بدونه، وكما أن الصلاة عماد الدين، والجهاد في سبيل الله هو ذروة سنامه، فإن الشورى هي النظام والفلسفة التي ينبغي أن تقوم عليها دولة الإسلام، ويجب أن يكون هذا المبدأ هو ميثاق لتعامله مع واقع الحياة الإسلاميّة.
ومما لا شك فيه أن نظام الشورى كمبدأ لا بد أن يكون منهجا لخليفة المسلمين لما فيه من المصلحة في تحقيق الجودة للقرار المتّخذ عبر جميع الأصعدة، وهذا الأمر من البدهيات التي لا يختلف عليها العقلاء في أن الاستقرار على رأي الأغلبيّة من صفوة المجتمع أولى وأجدى من الاستقرار على الرأي الفردي المستبد، وهذا الأمر قد يكون مشتركا بين الشورى والديموقراطيّة.
وقبل أن نخوض في التفصيل لكلا المبدأين لا بد أن يتأكّد لدينا بأن الشورى نظام ربّاني لا يختلف عن غيره من مبادئ الإسلام وأحكامه التي ليست محلا للتفاوض والتغيير، وبمعنى آخر لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الشورى الإسلاميّة النظام الربّاني المتكامل محلا للاستبدال بالديموقراطيّة التي أفرزتها الحضارة الغربيّة ليس لضعف التجانس بين كلا المبدأين، بل لأن نظام الشورى من المبادئ التي لا يقوم نظام الدولة الإسلاميّة إلا به، وليس هذا فحسب بل هناك اختلاف كبير بينهما وهو أن الشورى محكومة بما لم يرد فيه نص شرعي صريح، أما الديموقراطيّة فليست محكومة إلا برغبات ونزوات الشعب الذي تحكمه، وقد ثبت عبر التاريخ أن نظرة الإنسان الشاملة لكل شئون حياته لا يمكن أن تجعل حياته منظّمة، وبمعنى لآخر ... إن النظام الذي هو من وضع الإنسان نفسه حاضع لفلسفة التغيير على الدوام، ولا يمكنه أن يتعدّى الفترة التي فعّل فيها، وكلامنا هذا لا يحتاج إلى دليل، وما نراه من خيبة للمسلمين بسبب بعدهم عن أحكام الدين وتشريعاته كفيل بالإقناع بأن صلاح الأمةّ لن يكون إلا بتحكيم منهجهم، ولنا تجربة فريدة حكمت فيها