إلا على فرض الفكر، وعدم التقبّل للفكر الآخر.
إذا نظرنا لواقع الاستجابة لهذا الواقع في التيار الإسلامي فإنّه كان في بدايات عصر النهضة الأوربيّة ردود فعل ثقافيّة مختلفة، فالتيار الإسلامي في جيله الأوّل لم يكن له اعتناء بالحريّة بمفهومها الحديث، ولم يكن له اعتناء إلا بإصلاح العقيدة، وبقيت أفكاره بعيدة عن كل تأثير غربي وفي حدود فكر السلف كما بلوره ابن تيميّة وابن القيّم.
أما الجيل الثاني فكان متمثّلا في روّاد الإصلاح الذين تصدّوا للدفاع عن الإسلام، ودحض افتراءات الغرب ضد الإسلام، بالإضافة إلى اجتهادهم في تقديم رؤية متأصّلة لمبدأ الشورى، والحرّيّة، والثورة على الظلم باعتبار أن الأمّة مصدر سلطة الحاكم، وإن كانت مساعيهم في ذلك متأثّرة بالتجربة الغربيّة، فقد دعوا إلى أهمّية التعدّدية الحزبيّة واعتبارها أساسا لتقدّم الغرب.
أمّا الجيل الثالث من روّاد حركة الإصلاح العربيّة فقد تأثّر بالطبع بتلك الآراء، وتلك الجهود من أجل الإصلاح السياسي، إلا أنّه في ذات الوقت اصطدم بالوجه الآخر للغرب ... الغرب المستعمر، والمستعبد لغيره، وقد تحّرت القوّة في هذا الجيل من الاستعباد للغرب، والتي كانت قويّة في الجيل الثاني، وقد اتجهوا اتجاها عارض الاتجاه السابق في نبذ التعدّديّة الحزبيّة؛ وذلك لأنّها عاملا للتشتت وضعف الأمّة.
أمّا الجيل الرابع فقد استفاد من تجارب الأجيال السابقة، واحتفظ بحرصه على الاقتداء بالسلف الصالح، وتعلّم من الجيل الثاني جرأة الطرح، ومن الجيل الثالث إيمانه المطلق بصلاح الإسلام بديلا حضاريّا عن البديل الحضاري الغربي ومستوعبا إيّاه، فجاءت أفكار هذا الجيل مؤكّدة على مسألة إعلاء سلطة الأمّة في إطار الشريعة.
ولم يكن التيّار الإسلامي هو الوحيد في الساحة، فقد كان هناك التيار الليبرالي الذي مال في مطالبته بمحاكاة التجربة الحضاريّة الغربيّة وجعل منها النموذج، وقد أدّى هذا الميل إلى بروز التيار العلماني في العالم العربي، والذي يقوم على فصل الدين عن الممارسات السياسيّة، وإطلاق حرّية العقل للإبداع وإنجاز الحضارة [1] . (25)
(1) نبيل راغب، أنور السادات ... رائد التأصيل الفكري، مرجع سبق ذكره، ص 125.