الفصل الأوّل
الشورى بين الإلزام والإعلام
لا شك أن مبدأ الشورى من المبادئ الهامّة التي تعتبر بحق من الركائز التي يتقوّى بها الآخذ بهذا المبدأ، فما خاب أحد اتخذ الشورى منهجا في حياته في شتى مجالاتها، وإذا كان صاحب الوحي (- صلى الله عليه وسلم -) يشاور أصحابه في الأمور المختلفة رغم أن الرأي الأصوب عنده فما هو الحال بنا؟، وإذا بحثنا عن أسباب ذلك فإننا سنجده إعمالا لإقرار لمبدأ الرأي والرأي الآخر في الأمّة؛ وذلك من أجل غرس الثقة بين الرعيّة وبين قائدها.
إن مبدأ الشورى يعتبر كتحصيل ونتاج أقرّته الشريعة الغرّاء من أهم ما تميّزت به هذه الشريعة كنظام يعمل على جلب المصالح، ودرء المفاسد في مختلف نواحي الحياة، وفي شتى جوانبها، ومن هنا أصبحت الشورى كشيء تقوم عليه حياة الإنسان في شتى جوانبها ضرورة ملحّة يتعيّن على الفكر الإسلامي أن يجعلها محلا للتطوير بتبادل الآراء؛ وذلك حتى نصل في النهاية إلى نظام في الشورى متناسق، ومنظّم، ويستوعب متغيّرات العصر، ثم يجعلها طوعا لمصلحة الأمّة بدلا من أن تجعل هذه المتغيرات الأمّة طوعا لها.
ومن هذا المنطلق لا بد أن نعلم كما بيّنا سابقا بأن الشورى كاجتهاد لا تكون محلا إلا في الأمور التي لا نص فيها، والتي ترك لنا فيها النظام الإسلامي أن نستجلب فيها المصلحة قدر استطاعتنا ببذل الجهد والاجتهاد حتى نصل إلى الرأي الذي فيه المصلحة الأكمل، والتي لن نستطيع أن نتوصّل إليها إلا من خلال تلاقح أفكار أهل الحل والعقد، وتبادلهم للآراء حول المسألة بما يكفل التوصّل إلى أفضل رؤية للموضوع محل التشاور، وفي ذلك تتحقق المكاسب المختلفة لشتى أفراد الأمّة على أساس أن الرأي الذي سيسري على ما يمس الأمّة من قضايا كان نتاجا من تلاقح أفكار صفوة المجتمع وأهل الحل والعقد فيه، وهذا ما سيكفل آليّة استراتيجية يمكن من خلالها أن تتطوّر الأمّة وتنهض بالبشريّة جمعاء، وهذا هو الهدف الأسمى الذي يهدف إليه الإسلام.
وسوف نستعرض في هذا الفصل الذي سنقسّمه إلى مبحثين، نتناول في الأول مناقشة متكاملة لمبدأ الشورى، ومدى التزام الحاكم بالأخذ بهذا المبدأ بغض النظر عن آلية التطبيق، ثم نستعرض في المبحث الثاني مرحلة أخرى بعد الأخذ بمبدأ الشورى، وهو ما إذا