في بدر عندما شاور الناس كلهم وخاصة الأنصار الذين أخذ عليهم العهد في العقبة على النصرة؛ وذلك ليتأكد لديه إن كانوا سينصرونه خارج المدينة أم لا، ولذلك تكلم عنهم سعد بن معاذ وكان سيد الأوس (رضي الله تعالى عنه) فقال خطبته المشهورة.
وكذلك في معركة أحد استشار الناس جميعًا في الخروج أو البقاء؛ لأن الأمر يهمهم جميعًا وأشار عليه البعض بالخروج والبعض بالبقاء، وكان عامة الرأي على الخروج فخرج وإن كان ذلك مخالفًا لرأيه (صلوات الله وسلامه عليه) .
وأما حوادث استشارة الخلفاء من بعده فمعروفة مشهورة بكليتها كذلك على نحو هديه (صلوات الله وسلامه عليه) ، فأبو بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) استشار الناس في حرب فارس والروم، وكذلك فعل عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) ، واستشار عبد الرحمن بن عوف (- رضي الله عنه -) الناس جميعًا حتى النساء والعامّة في أيّهم يختارون للخلافة عثمان بن عفان أم علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) ، وحوادث الشورى في عهدهم كثيرة ومشهورة
إن الأمور الخاصة لا يستشار فيها إلا أهل هذه الخصوصية وأهل العلم والدراية بها، ففي تنفيذ الأعمال العسكرية يستشار أهل الرأي في ذلك، وفي الأعمال الصناعية يستشار أهل الخبرة فيها وهكذا [1] . (15)
ومن هنا كان لا بد أن نعرف أهل الحل والعقد، والشروط التي ينبغي أن تتوافر فيهم، وصفاتهم، ثم نتدارس من جانب آخر كيفيّة اختيارهم، والواجبات التي ينبغي أن يقوموا بها، وكيفيّة إبداء رأيهم، وفي جانب ثالث نكمل به الرؤية لنتعرّف على أهل الحل والعقد نتكلّم بشكل مجمل عنهم في العهد النبوي، وفي عهد الخلفاء الراشدين.
المبحث الأول
المقصود بأهل الحل والعقد، وشروطهم، وصفاتهم
أولا: المقصود بأهل الحل والعقد.
بدأ أهل الشورى بالظهور في كتابات المفسرين والفقهاء بعد عصر رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ،
(1) د. البدوي - إسماعيل، مبدأ الشورى في الشريعة الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص 41.