إن الشورى في حقيقتها سبب من الأسباب التي تؤدّي إلى إظهار العلم؛ وذلك لما تتمخّض عنه من إبراز الملكات الدفينة، والسعي نحو المعرفة.
ولما كانت الشورى تقوم على تشعّب الأفكار، وتعدد وجهات النظر، وهي مبنية - في الأساس - على اختلاف الآراء، ومن ثم فإنه من محصّلة تلك الآراء يتمخّض الرأي الأصوب، ومردّه - في نهاية الأمر - إلى الكتاب والسنّة.
والشورى في الشريعة الإسلاميّة لا تخرج عن كونها مراجعة أهل العلم والتعرّف على وجهة نظر كل واحد منهم في تطبيق الدين على شئون الحياة، وتمر هذه المراجعة بمرحلتين
مهمّتين هما الملائمة والمشروعيّة، فالملائمة تتحقق بأن تكون الشورى متحقّقة في استشارة الخبراء والمستشارين كل حسب اختصاصه، أما المشروعيّة فهي موافقة رأي أصحاب الشورى لمبادئ الشريعة السمحة [1] . (8)
أما بالنسبة لموضوعات الشورى فقد اتّفق العلماء على أن الشورى لا تكون فيما نزل فيه وحي، واتفقوا على تخصيص عموم كلمة الأمر في قوله تعالى: (وشاورهم في الأمر) ، (وأمرهم شورى بينهم) بما ينزل فيه وحي.
إلا أنّهم اختلفوا في مدى الخصوصية على قولين:
الأوّل: أنها خاصّة بالأمور الدنيويّة كالحروب وما يتعلّق بها.
الثاني: أنها في الأمور الدنيويّة، وكذلك في الأمور الدينيّة التي لا وحي فيها.
واستندوا في ذلك إلى أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) شاور في أسارى بدر وهو من أمر الدين، وأن الصحابة (رضوان الله عليهم) تشاوروا في أهل الردّ، وميراث الجد، وعقوبة شارب الخمر.
ومن خلال ما سبق يتّضح لنا حجّية الرأي الثاني ورجاحته؛ وذلك لقوّة الأدلّة الواقعيّة التي استدل بها، فالشورى إذا مشروعة فيما لا نص فيه، أو فيما فيه نص غير قطعي الدلالة، وهذا مبدأ عام [2] . (9)
إن موضوعات الشورى كما يتبيّن لنا مما سبق هي الشئون الحياتيّة الإنسانيّة التي نحتاج
(1) د. حسنى درويش، ومنصور العريض، الشورى في دولة البحرين، مرجع سبق ذكره ص 45.
(2) د. الأنصاري - عبد الحميد إسماعيل، الشورى وأثرها في الديمقراطية (دراسة مقارنة) ، مرجع سبق ذكره، ص 8.