الخلفاء الراشدين والحكام الطغاة المفسدين في الأرض العابثين بمال الأمة المسلمة حيث قال رحمه الله:"ثم تغيرت الأحوال وتغير نظام النظام، وتخلف الأجناد عن القيام عما أرصدوا له من الحراسة والجهاد، وصارت الولاة وأتباعهم من الأجناد يجاهدون في الرعايا من الموحدين وغيرهم بسلب أموالهم وتعذيبهم بأنواع العقوبة، ومن رام التحفظ عن ظلمهم رموه بالعصيان أو سموه بالبغي والعدوان واستباحوا قتاله واغتنام ماله، واعتقدوا في الإقطاعات وجوب اختصاصها بهم وأنها تورث كالأملاك، وأصل هذا الفساد بل كل الفساد في الدين من ولاة الجور وقضاة الرشا وفقهاء السوء، وصوفية الرجس، كما قال السيد الجليل عبد الله بن المبارك: وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها. فإن الولاة لما فسدوا وامتدت أطماعهم إلى أن أخذوا أموال الناس واستأثروا بأموال الصالح واعتقدوها مملوكة لهم تعدى الفساد إلى القضاة والفقهاء وأرباب المناصب، بل إلى الكافة، وتقلد الأمانات الخونة فباعوا الدين بالدنيا، وعلم الأتباع منهم أنهم قد خانوا الله، قالوا ما لنا لا نخون، كما حكى بن عبد ربه أن مروان بن الحكم أرسل وكيلا إلى قرية له في الغوطة، ثم حضر إليه في بعض الأيام فقال له: يا هذا أظن أنك تخونني في ضيعتي، فقال له: أو تظن ذلك ولم تستيقنه، والله إني أخونك وأنت تخون أمير المؤمنين وأمير المؤمنين يخون، ولهذا يتنقم الله منهم بتسليط بعضخم على بعض. ثم زاد الفساد بتصرف الأجناد وغيرهم في الإقطاعات تصرف الملاك بالبيع والشراء، واشترك في هذا الأمر الخاص والعام ومن يصلح للجهاد ومن لا يصلح، ومن يستحق في بيت المال ومن لا يستحق، حتى بعض الإقطاعات لبعض الكفرة من النصيرية والإسماعيلية. ثم اشتد حرص الولاة وأركان الدولة على جمع الأموال وأخذ الرشا، ورخصوا في أمور، فاغتنم الجهال في ذلك منهم، وأرضوهم بسخط الله ووثب كل فريق واستأثر بما تصل إليه قدرته من أموال بيت الله وغيرها، وكثر التنازع والتنافس في ذلك حتى آل الحال إلى أن حولوا كثيرا من الجهات المختصة ببيت المال إلى الملك والوقف والرزق المؤبد، وجعلوا ذلك وسيلة إلى حوز الدنيا لهم ولذراريهم من بعدهم، واستنبطوا في ذلك أنواعا من الحيل يخدعون بها الخلق"وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"، ويخيلون على الولاة بأن ذلك من القرب، وأن من مضى من الملوك كنور الدين وصلاح الدين وأمثالهم ما قد فعلوا مثل ذلك ولأقرهم العلماء عليه وأفتوهم بجوازه، ويغفلون عن الشروط المعتبرة لصحة تصرفات الأئمة في بيت المال وصفات المستحقيت لها، بل أكثرهم يجهلها ولا يدري أنها الآن كالمفقودة بخلاف أولئك فإن شرائط الصحة في تصرفاتهم ومصادفتها للأوضاع الشرعية كان غالبا كما تقدمت الإشارة إليه، ويأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى."أ. هـ. (نقلا عن رسالة الأدلة الشرعية على وجوب حماية أموال الرعية للشيخ علي بلحاج)