وقال ابن زيد في بيان الفتنة المقصودة هنا: (فتنة الكفر) .
ونص تعالى على أن الكفر والشرك أشد في شرعه ودينه من االقتل، وهذا نص في تقديم حفظ الدين على غيره من الضروريات الأربع وعلى رأسها النفس؛ فحفظ هذه الضروريات في مقابل ضياع الدين بخلاف أمر الله وشرعه هو الفتنة الحقيقية التي يُحذر منها المولى سبحانه.
قال ابن جرير الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل} [البقرة: 191] : (والشرك بالله أشد من القتل وقد بُيّن فيما مضى أن أصل الفتنة الابتلاء والاختبار، فتأويل الكلام: وابتلاء المرء في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركًا بالله من بعد إسلامه أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيمًا على دينه مستمسكًا عليه محقًا فيه) انتهى كلامه.
وقال القرطبي رحمه الله: (قوله تعالى والفتنة أشد من الكفر أي الفتنة التي حملوكم عليها وراموا رجوعكم بها إلى الكفر أشد من القتل) . انتهى كلامه رحمه الله.
والمعنيان متجهان دالان أظهر دلالة على ما نحن فيه، ففتنة الكفر والشرك أعظم من مفسدة ما يزهق من نفوس المؤمنين تبعًا لا قصدًا في سبيل القضاء عليه، ا وتطهير الكون منها، قال تعالى:
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّه} [البقرة: 217]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (وتمام الورع أن يعرف الإنسان خير الخيرين، وشر الشرين، ويعلم أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلا فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية والمفسدة الشرعية فقد يدع واجبات ويفعل محرمات ويرى ذلك من الورع، أو يدع المعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله لما في فعل ذلك من أذى بعض الناس والانتقام منهم حتى يستولي الكفار والفجار على الصالحين الأبرار فلا ينظر المصلحة الراجحة في ذلك، وقد قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّه} [البقرة: 217] ، يقول سبحانه وإن كان قتل النفوس فيه شر فالفتنة الحاصلة بالكفر وظهور أهله أعظم من ذلك فيُدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما) انتهى كلامه رحمه الله.