فالقدرة المشروطة للوجوب - وليس للجواز - في الخروج على الحاكم الكافر هي غير القدرة المشروطة للوجوب في الخروج على الحاكم المبتدع، فالأولى يقصد بها القدرة بمعنى وجود قوة لابتداء الخروج ولا يشترط فيها غلبة ظن إمكانية خلعه وتنصيب غيره أو امتلاك قوة تفوق قوته (كما تظنون أنتم فعلى قولكم لا بد من وجود دولة داخل دولة وهذا يصعب إن لم يستحل وجوده وبالتالي توافر هذه القوة مستحيل فالخروج على الحاكم الكافر مستحيل توفر شروطه) ، اما الثانية فيقصد بها القدرة بمعنى وجود غلبة الظن بإمكانية خلعه وتنصيب غيره بحيث لا يترتب في الخروج على الحاكم المبتدع مفسدة أكبر من مفسدة بقائه.
وهذا التفريق مبني على ميزان الشرع في النظر إلى المصالح والمفاسد، فإن فتنة الكفر بالله وإكراه العباد على الدينونة لغيره سبحانه لا تعدلها فتنة أو مفسدة كما قدمنا لذا لم ينظر إلى المفاسد الأخرى المترتبة على هذا الخروج، أما مفسدة البدعة فإنها وإن كان خطرها عظيم إلا أنها تساوي خطر الشرك والكفر ولا شك لذا أمرنا عندها بالموازنة بين مفاسد الخروج ومفاسد السكوت.
أما النصوص التي نقلتها عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
-فالأول فيه نوع تدليس حيث أنك اجتزأته من سياقه لتظهر أن شيخ الإسلام يعم في قوله كل خروج على الحاكم كافرا كان أو فاسقا، وسياق الكلام كالتالي:
" (فإن الحاكم إذا ولاه ذو الشوكة لا يمكن عزله إلا بفتنة ومتى كان السعي في عزله مفسدة أعظم من مفسدة بقائه لم يجز الإتيان بأعظم الفسادين لدفع أدناهما وكذلك الإمام الأعظم ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته والله تعإلى لم يأمر بقتال كل ظالم وكل باغ كيفما كان ولا أمر بقتال الباغين ابتداء بل قال"وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل"سورة الحجرات، فلم يأمر بقتال الباغية ابتداء فكيف يأمر بقتال ولاة الأمر ابتداء) ."
فالكلام الذي نقلته عن شيخ الاسلام هو في من كان ظالما او فاسقا و ليس في من كان كافرا فقوله"وإن كان فيهم ظلم"وقوله (و الله تعإلى لم يامر بقتال كل ظالم و كل باغ