وأما الثاني [1] فذكر التفصيل المعروف فيه على قسمين:
-فإن لم يقر اللسان وينقد القلب [2] فهو أيضًا كفر حقيقي لا إيمان معه.
-"وأما إن اعترف بقلبه وأقر بلسانه بحكم الله ولكنه عمل بضده ظاهرًا في الفروع خاصة، فليس بكفر ينقل عن الملة"وذكر في هذا آثارًا منها قول طاووس: (ليس الحكم في الفروع بغير ما أنزل الله مع الإقرار بحكمه والمحبة له ينقل عن الملة) وبين هذا النوع في موضع آخر من كتابه ص (143) بقوله: (وعدم الحكم بما أنزل الله في الفروع التي ليست من أصل الدين مع الاعتراف بحكم الله في قلبه وقوله ومحبته واختياره وانقياده إليه فيهما) اهـ.
فتأمل تفريقهم بين الحكم المتعلق بالشرك والتوحيد (التشريع) .
والحكم في الفروع بمعنى"الجور في القضاء من غير تشريع ولا استبدال ولا استحلال".
أقول: وكذلك نحن فإن الذين كفرناهم بالحكم بغير ما أنزل الله لم نكفرهم لحكمهم بالفروع بمعنى الجور بالقضاء ونحوه من غير استحلال كما هي طريقة الخوارج، وإنما كفرناهم لأن حكمهم بغير ما أنزل الله من النوع التشريعي الشركي المناقض لأصل التوحيد، ولأنهم اتبعوا حكمًا ومشرعًا غير الله عز وجل، وابتغوا دينًا وشريعة غير دينه وشريعته .. وأيضًا لتوليهم أهل الشرك وطواغيته على اختلاف ألوانهم، ومظاهرتهم على الموحدين ..
فافهم هذا ولا تكن ممن تنطلي عليهم تلبيسات مرجئة العصر وتخبطاتهم، وفرّق بين ما يُكفّر به الرسل وأتباعهم، وبين ما يُكفّر به الخوارج وأشياعهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته (التسعينية) : (والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله فمن عاقب على فعل أو ترك، بغير أمر الله ورسوله، وشرع ذلك دينًا، فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا، بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادًا أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب، وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] اهـ [3] .
(1) وهو الذي خلط فيه الخوارج ويخلط فيه مرجئة الزمان.
(2) وهذه إشارة للجحد والاستحلال ونحوه.
(3) ص (14) ضمن مجموعة فتاوى ابن تيمية - جـ5، طبعة دار الفكر.